شارك على لينكد ان
شارك على واتساب
شارك على تلغرام
الطباعة

تطور الجيش الجزائري خلال الفترة القديمة



      بدأ إسم النوميد يبرز كفصيل بشري وكيانات على خريطة حوض البحر الابيض المتوسط منذ أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، عندما كان الصراع على أشده بين إغريق صقلية  والقرطاجيين، وبرز أكثر خلال الحربين البونيتين الأولى(264 ق.م- 240 ق.م) و الثانية (218 ق.م- 202 ق.م) ، حيث أمكننا ذلك تصور الأقاليم السياسية الكبرى التي أصبح يشكلها النوميد، ومنها

- مملكة شعب المسيل النوميدية ، وكانت تجاور دولة قرطاجة من الجهة الغربية .

- مملكة شعب المسيسيل النوميدية ، وكانت حدودها الشرقية عند الوادي الكبير ( أمساجا)  وحدودها الغربية عند نهر ملوية ( ملوشا).غير أن هذه الخريطة ظلت معرضة للتغيير تبعا لتقلبات الأوضاع العسكرية بين روما وقرطاجة  ثم بين روما والممالك النوميدية عند إزالة قرطاجة من الوجود سنة 146 ق.م .

https://gloriousalgeria.dz/storage/app/media/uploaded-files/1656599894254.png

التوسعات النوميدية من 203 ق.م  الى 152  ق. م 

قام ملك المسيسيل " سيفاكس  بتوسيع مملكته شرقا على حساب مملكة المسيل وذلك بتشجيع من قرطاجة  التي كان حليفا لها في تلك الحرب الدائرة بينها وبين الرومان ، بينما تمكنت روما من استمالة الامير المسيلي ماسنيسا بن غاية  و عقد تحالف معه ضد قرطاجة وسيفاكس  مقابل توسعة مملكته غربا في اتجاه المسيسيل، وترتب عن تلك التحالفات اندلاع معركة سميت في كتب التاريخ  زاما على الحدود بين مملكة المسيل وقرطاجة سنة 202 ق.م  ، خرج فيها الملك ماسنيسا منتصرا على غريمه سيفاكس  ، حيث اعترفت له روما على اراضي مملكتي المسيل والمسيسيل معا

https://gloriousalgeria.dz/storage/app/media/18343-14906641.jpg 

    الملك سيفاكس  ملتح و يحمل تاجا على راسه ،و في الظهر ،

 صورة حصان فوقه فارس و هو في حالة ركض ،و كتابة بونية 

    لإسم اللمك س.ف.ك.ح م م ل ك ت ( متحف سرتا )

 

الجيش النوميدي:

    بدت مملكة نوميديا الموحدة بين الحربين البونيتين الثانية والثالثة (202 ق.م -149 ق.م )  اقوى ممالك المغرب القديمة ، وأكثرها شهرة وثراء ، وظهر ذلك من خلال قوة جيشه  الذي كان يهدف إلى دعم سياسة الملك، وضمان أمن المنطقة والقيام بالغزوات، كان يتكون من حرس ملكي، فيالق برية وبحرية، كان غالبيته يتكون من الفرسان الاشداء، الذين كانوا يحملون أسلحتهم البيضاء مثل السيف على الظهر، والخناجر تحت زيهم العسكري،

 أما التكتيك العسكري لهذا الجيش فقد كان يعتمد  على أسلوب الكر والفر و على عنصر المباغتة والحركة المستمرة.

https://gloriousalgeria.dz/storage/app/media/45.jpg

      الملك ماسينيسا ملتح و مكلل بورق الغار

و في الظهر حصان يجري (متحف سرتا )

https://gloriousalgeria.dz/storage/app/media/3.jpg

 فرسان نوميديا

 

مقاومة الإحتلال الروماني

توقفت قوة المملكة النوميدية التي بناها ماسنيسا لبنة لبنة في ظروف حصار قرطاجة طيلة 50 سنة، عندما اقام الرومان حدا فاصلا بينها وبين اقليم قرطاجة الذي ورثوه بفعل الحرب البونية الثالثة (149 ق.م-146 ق.م )التي ازالوا فيها قرطاجة نهائيا  ، لم يجرأ خلفاء ماسنيسا بعد وفاته ( مكيبسا وغولوسا ومستنبعل ) عل 

المساس بالترتيبات التي وضعها القائد الروماني سيبيون إيمليانوس .

- ثورة يوغرطة:  بعد وفاة الملك ميكيبسا  سنة 118 ق.م  اعترت المملكة تقسيمات اقرتها روما بين المتنازعين على الكرسي ، فنال يوغرطا  القسم الغربي من المملكة ونال ابن عمه يمسال القسم الاوسط ، بينما كان نصيب اذربعل القسم المجاور لمقاطعة روما ( قرطاجة)  ، لكن هذه الترتيبات مالبثت ان تغيرت بسبب رفض يوغرطا لها ، مما ادى الى اندلاع ثورة ضد روما ، حيث بدأ باغتيال يمسال ثم محاربة أذربعل ومن سانده من الرومان المقيمين في المدن النوميدية ، الامر الذي أثار روما ، فشنت عليه حربا  سميت بحرب يوغرطا (112 ق م- 105 ق م)  انتهت بالقبض عليه وقتله في سجن روما .

 




                       الملك يوغرطا



هجوم يوغرطا على معسكر روماني

 

- عهد الملك يوبا الأول: في عهده دخلت مملكة نوميديا  مرحلة التدهور ، عندما فقدت سيادتها على جل اراضيها ، وأصبح مصيرها مرتبط بإرادة روما ، من ذلك أن الحرب المدنية التي نشبت في روما بين أنصار بومبي وأنصار يوليوس قيصر أواسط القرن الاول قبل الميلاد اثرت على  أوضاع المملكة ومصيرها ،حيث وقف الملك يوبا الأول إلى جانب بومبي   وهو ما مهد لمقتل الملك و إحتلال أرضها وزوال كيانها نهائيا. 



قطعة نقدية تعود للملك يوبا الاول   تحمل صورة الاله امون و في الظهر صورة فيل مع اسم الملك مكتوب بالبونية  ( متحف الاثار القديمة و الفنون الاسلامية الجزائر العاصمة )

 

- ثورة تاكفاريناس: كان تاكفاريناس ضابطا في الجيش الروماني، ثم تمرد عليهم وأعلن الثورة التي عمت جميع بلاد المغرب من موريتانيا غربا إلى طرابلس شرقا، حيث انطلق من الأوراس بعد أن أعد العدة ودرب أنصاره، وقد كبد الرومان عدة هزائم هددت وجودهم في المنطقة ودفعتهم إلى تعبئة كل قواتهم، وبينما كان في شرق سور الغزلان فاجأته قوات رومانية موريتانية فدافع عن مواقفه دفاع الأبطال حتى سقط ميتا، لتخمد بذلك ثورته وتندلع ثورات أخرى للتخلص من الاحتلال الروماني. 

 

تكفاريناس (17 ق.م-24 ق.م)

 

مقاومة الإحتلال الوندالي:

   تمثلت في بقاء  المور بمراكزهم الجبلية في الاوراس وباقي المناطق  ، مع اغتنام فرصة عدم توغل الوندال للداخل لأن  هؤلاء الوندال اقتصر احتلالهم على بعض المناطق الساحلية والداخلية فقط،  اندلع لهيب الثورة من جبال الأوراس وجبل راشد غربا إلى طرابلس شرقا، وفي تلك الفترة حطم الوندال مدينة الجزائر بعدما قضوا على سكانها، واستمرت الوقائع والمعارك ما بين مد وجزر إلى أن انتصر النوميدين على أعدائهم وتحررت نواحي مدينة تمقادى وتفيست، (تبسة).ومن أكثر القبائل إزعاجا هي تلك المتواجدة على تخوم طرابلس، كانت تحت إمرة كاباون، حيث المور الخاضعين له كانوا ينتظرون العدو بتشكيل دائرة  كان حصنها ليس أرضا ولكن من الجمال في خط دائري مستمر يزيد عدده عن 12 جملا، داخل الدائرة توجد النساء والاطفال والشيوخ زيادة على كل ما يملكون، مع تخفي الجنود بين أقدام الجمال، وبالتالي لم يترك قائدهم لهم فرصة الهروب في وجه العدو فهو( القتال حتى الموت) دون السماح للعدو بلوغ كل ما هو عزيز عليهم، أي نوع من الحرب الإنتحارية، وما أن يقبل الوندال بخيولهم حتى يتحول هجومهم إلى فوضى كبيرة نتيجة الهلع والإضطراب الذي يثار في وسط الخيول الوندالية.

 

غزو الوندال(429 م-533م) والبيزنطيين (533م-640م)



مقاومة الإحتلال البيزنطي:

   بعد إنهاء أمر الوندال وجد الجزائريون أنفسهم وجها لوجه أمام الجيوش البيزنطية مما أدى بهم إلى القيام بالعديد من الإنتفاضات لمقاومة الاحتلال الجيش البيزنطي بقيادة Solomon  الذي انهزم أمام مقاومة الأوراس سنة 536م، وكذا انتصار النوميديين في معركة بالقرب من تبسة ووفاته أثنائها سنة 544م، عين بعده القائد سيرجيوس وغيره من القادة الذين واجهوا متاعب في التوسع، حيث اتبع الأهالي سياسة نصب الكمائن والنزوح نحوى الجنوب، مما أدى بالبيزنطيين ببناء الحصون كحصن تيبازة وغيرها لصد ورد المقاومات الشعبيةآنذاك، فقد استولت بيزنطة على المناطق الساحلية لشمال إفريقيا بينما بقيت المناطق الداخلية في يد الأهالي بفضل تضاريس المنطقة وكذا مواجهتهم ورفضهم للإحتلال. فقد عمل هذا الأخير على القيام بعدة سياسيات وسن عدة قرارات من أجل إبقاء المغرب القديم تحت الهيمنة البيزنطية، منها مصادرة أمالكهم وأسر واستعبد الكثير منهم، إضافة إلى فرض التعصب المذهبي، حينما أعلن الإمبراطور جستينيان وجوب اعتناق المذهب الكاثوليكي من دون غيره وكان ذاك منذ سنة535 م.

تطور الجيش الجزائري خلال الفترة الوسيطة

تشكّل الجيش الجزائري في الفترة الإسلامية

1- الفتح الاسلامي لبلاد المغرب الأوسط  أحدثت حركة الفتح الإسلامي ببلاد المغرب في القرن السابع للميلاد تحولات كبرى على مستوى الانسان والمكان. حين حوّلت سكان البلاد في تصوراتهم وسلوكاتهم، فأكسبتهم عقيدة جديدة وممارسات مخالفة لما كانوا عليها سابقا، فصارت بلاد المغرب مركز تأثير حضاري نتيجة التنوع البشري والامتزاج ونتيجة موقع المكان واستراتيجيته وثرواته. ومن مظاهر القوة قيام دول لها أنظمتها وأجهزتها وجيوشها، وقد تطورت هذه الأنظمة والجيوش عبر الزمن تطورا سريعا ساعد على إرتقاء هذه البلاد من مغلوب متأثر إلى غالب مؤثر. ولا شك أنّ أهم جهاز كان بمثابة العصب الرئيسي في هذا التحول هو ذلك الجيش الذي تمّ بناؤه وفق تصورات ورؤى جديدة وأنظمة حربية حديثة وعتاد وأسلحة متطورة، وجند متنوع الأعراق لهم فاعلية ونشاط. فصار الجيش يؤدي الأغراض العسكرية والحضارية المؤثرة. .والجزائر بإعتبارها بلاد المغرب الأوسط، شكل جيشها - قادة وجندا- جزءً مهمّا من تاريخ جيش الفتح الإسلامي، منذ التأسيس إلى التوسع والريادة برا وبحرا، وهذا بحكم شجاعة وعقيدة جندها وحنكة قادتهم، وشساعة وغنى مساحتها، وطول وانفتاح ساحلها، واستراتيجة مكانها وموقعها. وهذا منذ زمن عقبة بن نافع في مرحلته الأولى، ثم زمن أبي المهاجر دينار الذي وصل إلى عمق المغرب الأوسط ، ليتوطد الإسلام بالمنطقة فيما بعد بحملات عقبة الثانية حينما شمل فتحه هضاب المغرب الأوسط ويستشهد وثلاثمائة من أصحابه بتهودة  قرب بسكرة – حيث تحول المكان اليوم إلى مدينة ومسجد ،  وكان حسان بن النعمان من القادة الذين وطأت أقدامهم بلاد الأوراس -الشرق الجزائري- والسواحل، واختتم الفتح لهذا المجال موسى بن نصير وقائده طارق بن زياد الذين وصلا إلى  تلمسان متخذا منها مركز انطلق منه طارق لفتح بلاد طنجة وما والاها، ثمّ تحالف مع حاكم سبتة "يوليان" ليحدث العبور الكبير والفتح المبين نحو الأندلس عام 92ه/711م

           خط سير عقبة بن نافع في فتح بلاد المغرب

 

       

طارق بن زياد الأوراسي.........قائد الجند بتلمسان وطنجة وفاتح الأندلس

 

تعداد جيش الفتح وتركيبته:

 تختلف الأعداد والتركيبات التي استخدمها القادة أثناء الفتوح الأولى بحسب ظروف المنطقة المراد فتحها، والعدو الذي يتواجد بالمنطقة، وطبيعة العمل المراد إنجازه، فعملية إرسال العيون والتجسس أو السرايا للتفحص والتي  تليها الحملات المباغتة والمباشرة كآخر عمل للمواجهة كلها تتفاوت من حيث الاعداد والتركيبة. ويبيّن الجدول التالي بعض الإحصاءات لعدد من الجيوش التي قامت بمعارك في سبيل تجسيد أهداف الفتح الاسلامي.

أصول جيوش الفتح وتشكيلاته: 

لا شك أنّ عناصر جيش الفتح قد تنوعت من فترة إلى أخرى، فالعنصر العربي كان العمود الفقري الأول وهو المطعم بجند الشام، كما توجد به عناصر ذات أصول فارسية، ثم كان الأقباط يشكلون جزءا مهما له خبرته وصناعته وأثره على المعركة، خصوصا حينما وفدت المئات من الأسر القبطية للاحتراف في دار صناعة السفن بتونس زمن حسان، ثم التحق العنصر البربري الذي بات هو الغالب فيما بعد انضمام قبيلة لواتة المصالحة للفاتحين، والبربر متمكنون من الحرب متّسمون بالشجاعة، ثم انضاف إلى الجيش عنصر الروم المعاهدين بعد أن تم غزو البحر وفتح جزره بصقلية وشبه الجزيرة الإيبرية بداية القرن الثاني للهجرة، وبعد التوغل في بلاد المغرب دخل عنصر الزنوج "العبيد" بشكل لافت ليشاركوا في الجيش، وكان لكل أدوار وآثار وأعطيات.

              وأما تشكيلته فيتألف من عناصر وهي الفرسان الذين يركبون الخيل الجامحة المدربة وخصوصا العربية الأصيلة، والبربرية المتميزة. وكان الجند يلبسون الدروع والخوذ المصنوعة من الصلب المحلاة بريش النسور، وهناك الراجلون أي المشاة، وهؤلاء كلهم يتسلحون بأقبية قصيرة متدلية على ما تحت الركبة وسراويل بالإضافة إلى الدروع والسيوف والرماح والقسي والسهام.  

أساليب المواجهة والخطط الحربية:

  • كان نظام التعبئة المطبق قبل المعركة هو تقسيم الجيش إلى مقدمة ومؤخرة وميمنة وميسرة وقلب، وأنّ المسلمين لم يمارسوا نظام القتال بالصف او الزحف الاّ نادرا، مثلما كانوا يتبعون نظام الإراحة وهو ما وقع في سبيطلة بقيادة عبدالله بن سعد سنة 27ه/648م ضد الروم.
  • سياسة الحصار وتضييق الخناق على العدو، كقيام حسان بحصار "قرطاجنة"  وقطع الماء عنها والمؤونة.
  • الاستعانة بالأخبار من داخل اركان العدو، ومعرفة حالة جيشه وهو ما قام به خالد بن يزيد العبسي القريب من الكاهنة والذي كان يرسل الاخبار الى حسان قائد الجند الإسلامي، بواسطة رسائل يرسلها مع وسيط مموهة في رغيب خبز.
  • اتخاذ المواقع الملائمة للمعارك والمواجهات، فقد كان المسلمون غالبا ما يتمركزون في المناطق المرتفعة لاستشراف المعركة والسيطرة على المياه والتموين، وهو ما سار عليه حسان في مواجهته للكاهنة بنزوله بأعالي وادي " مسكيانة".
  • سياسة الانسحاب للجيش الإسلامي تمّ اتباعها في أحيان عدّة، وكان هدفها الحفاظ على سلامة الجند، لأنّ فلسفة المسلمين تقتضي الحفاظ على النفس التي هي أولى الكليات الخمس " النفس، الدين، المال، العرض، الأرض" فإذا وقع التفاضل كانت النفس أولى بالمحافظة، ولذا كان قادة الجيش حينما يرون انسداد الأفق يعمدون الى الانسحاب حتى يتمّ الاستعداد ثم العودة الى الفتح، وقد وقع هذا بعد هزيمة تهودة ومقتل عقبة و25 صحابيا وجميع الجند، فما كان من أمير القيروان الذي تركه عقبة سوى الانسحاب نحو برقة. ليعود بعد عام 69ه بستة (6) آلاف مجاهد الى القيروان. وانسحب حسان بعد الهزيمة  الأولى مع الكاهنة إلى القواعد الخلفية (برقة) لإعادة بناء جيشه، ثم العودة بعد مدة لتنهزم الكاهنة.

مصادر تموين الجيش :  

        لكل جيش مصادر تموينه وامداداته ليبقى في ميدان المعركة منفذا لاستراتيجية القيادة، وأهداف الدولة، أنّ مصادر التموين للجيش إنما كانت المصادر التقليدية للمسلمين وهي: 

المصدر

التعيين

الغنيمة 

وهي الأموال التي يغنمها المسلمون من العدو زمن الحرب بالغلبة "أموال، سبي، أسرى، أراضي..." كان يوجه خمسها إلى مصر، وتقسم الأربعة الباقية على المجاهدين وفق قاعدة التفاضل بين الراجل والفارس، 

الفيئ

أي ما يؤخذ من الكفار دون حرب ويقسم على خمسة اقسام أربعة منها لبيت المال الذي يعود نفعه على الجند والشؤون الحربية، وكان من قبل يقسم على الجند ويشترى بها الأسلحة والعتاد.

الخراج 

وهو الضريبة التي يخرجها من يستفيد من الأراضي المفتوحة عنوة وتبقى في أيدي أهلها.

الجزية

وهي نصيب من المال بحسب تقدير الحاكم، يؤخذ من أهل الذمة المتواجدين على أراضي المسلمين، فتدخل بيت المال لينفق على الجند والشؤون العامة. 

الزكاة

وهي مال معين يؤخذ من المسلم الذي بلغ نصاب ما يملك وحال عليه الحول، فيخرج منه ربع العشر يوضع في بيت المال لأجل الانفاق العسكري والمدني.

العشور

وهي تلك النسب المالية والعينية التي يفرضها الحاكم والوالي على تجار المسلمين، يؤدونها في وقتها.

الصدقات والتبرعات

المتمثلة في الأموال والأعيان التي يقدمها المحسنون قربات لله لأجل تموين الجيش، وتكون بشتى الأنواع من خيول وحبوب وأسلحة واعلاف وألبسة خاصة بالجند، وهي خدمات خيرية غير محددة، ولكنها كانت تصنع الفارق، وكان أول من يذكره التاريخ في ذلك عثمان بن عفان مجهز جيش العسرة زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) وبقيت سنة يجري عليها المحسنون ببلاد المغرب.

 الأوقاف

الوقف هو ما حبسه المسلمون للخدمات الخيرية في مجال معين، وهي وسيلة استخدمها اهل المغرب الأوسط في مجال التموين العسكري كحبس الخيول والسروج والسيوف والمؤن لفائدة الجيش، وبناء الحصون والقلاع والربط، وقد أشار إلى ذلك الونشريسي في المعيار، ج7، ص58. 

 

2- الدول التي نشأت في المغرب الأوسط في العهد الاسلامي الأول :

المغرب الأوسط جزء من بلاد المغرب وعمقها ومركزها، وهو مجال مهم دخل حيز الخلافة الإسلامية بعد حركة فتح طيلة ق1ه/7م. ضبط الإدريسي (ت 560ه/ 1165م) حدود هذا البلد حينما صرّح: "أنّ بجاية هي مدينة المغرب الأوسط وعين بني حماد، وأنّ تلمسان هي قفل بلاد المغرب".  قامت في هذا المجال دول بعد منتصف ق2ه/8م. وقد بلغ المغرب الأوسط بحواضره من الهدوء والحضارة في زمن الرستمين والحماديين والزيانيين ما جعل من تهرت مرتعا للعلماء وطلاب العلم يتعلمون ويتناقشون ويجادلون، ومن بجاية مدرسة في العلوم العقلية يفد إليها الايطاليون لدراسة الفنون، كما صارت تلمسان ملاذ الأندلسيين والمغاربة بحكمها مقرا للنسّاك والعباد تلامذة أبي مدين شعيب (الغوث).  ومعلوم أنّ أجزاءً من أراضي المغرب الأوسط كان في بعض الفترات تقع تحت حكم دول كبني مدرار بسجلماسة والزيريين بافريقية، والمرابطين والموحدين. ثم الحفصيين شرقا والمرينيين مغربا. مثلما كانت دوله -المغرب الأوسط-  أيضا تتسع إلى المغربين في عدة فترات، ممّا يعطي دلالة بتغير الحدود على طول الفترة الوسيطية بالنسبة لعموم دول بلاد المغرب.

- الدولة الرستمية:  وهي أول إمارة قامت ببلاد المغرب الأوسط عاصمتها تهرت عام 160ه/777م، وقد امتدت زمانا لمدة قرن ونصف، وارتكزت على أكتاف قبائل لماية ونفوسة ومزاتة وسدراتة وهوارة وزواغة ونفطة ونفزاوة وغيرها، كما توسعت مساحة فشملت مناطق عدة من سرت وطرابلس ونفوسة وقفصة وقابس وقسطيلية والجزء الأكبر من المغرب الأوسط الى وهران ووارجلان يقوم عليها عمال، وكلّها تابعة لدار الامارة بتهرت. كانت لهذه الإمارة تنظيمات مدنية وعسكرية، كما توفر لها علاقات وتفاعلات اجتماعية وسياسية واقتصادية وعلمية، ثم أسقطها الفاطميون بعد 296ه/909م.

- الدولة الفاطمية :جاءت على أنقاض أربع دول محلية (الأدريسية والرستمية والاغلبية والمدراريون، وعلى أكتاف أقوى قبائل المغرب الأوسط "كتامة" حيث تأسست عام 297ه /909م لتستمر  بايكيجان وفج الاخيار، ثم المهدية إلى غاية 361ه/992م،  أين يقرر خلفاؤها الإقلاع نحو مصر يعضدهم في ذلك قبيلة كتامة، فأسسوا بمصر حاضرة القاهرة ومسجدها الأزهر. أما تنظيمها الإداري فقد كان الامام هو أمير المؤمنين يعين بالعهد من سلفه من آل البيت كشرط لازم، ، ويساعده وزراء وعمال وقضاة، وجيش ركيزته قبيلتا كتامة وصنهاجة، بالإضافة إلى قبائل أخرى موالية. وقد قامت هذه الدولة بأعمال حربية كبيرة وتوسعات كثيرة سواء بالمغرب أو بمصر، فبعد أن انتقلت من مرحلة الدعوة لمهديها ومبادئها، أنشأت جيشا قوامه قبيلة كتامة وأتباعها، فتوسعت على حساب الدول المغاربية القائمة، ثمّ عززت وجودها  بغزو البحر حين صار لها أسطول بحري في غاية القوة والمكانة. عزز هذا الاسطول سيطرة المسلمين على البحر المتوسط

توسعات الدولة الفاطمية من إيكيجان على المشرق

- دولة بني حماد:  برزت على أكتاف فرع من فروع قبيلة صنهاجية - بقلعة حماد ثم بجاية عام 407ه/ 549م، حاملة لواء المذهب السني المالكي، وممتدة من مرسى الخزر وبونة شرقا إلى وهران وتلمسان غرب ومن بجاية وجزائر بني مزغنة شمالا إلى بسكرة ووركلا جنوبا. مع توسعها أحيانا إلى تونس شرقا على عهد الناصر بن علناس(454-481ه/1062-1089م)، وغربا وصولا إلى بلاد زناتة وفاس على عهد القائد بن حماد(419-446ه/1028-1054)وخليفته بلكين بن محمد (446-454ه/1054-1062)، وكان من أبرز حواضرها " جزائر بني مزغنة ومرسى الدجاج وجيجل وبونة وقسنطينة ونقاوس، وبعض البوادي إضافة الى القلعة وأشير وبجاية وحمزة. وقد كان لهذه الدولة سكة وعملة وأمير وعمال ووزراء. وصف الإدريسي عاصمتها بأنّها مدينة المغرب الأوسط وعين بني حماد، وأنّ تلمسان هي قفل بلاد المغرب. كما تخبر المصادر ببلوغها مرتبة حضارية وعسكرية مميزة في عهدي الناصر والمنصور 454-498ه/1062- 1105م حيث تأسس جيش قوي، وصل نفوذه خارج الحدود، كما يعود الفضل إلى هذين الأميرين في تكوين قوة بحرية ضاربة، فرضت احترامها على الاوربيين

أوج التوسعات الحمادية

الجيش في هذا العهد: تطور جيش دول المغرب الأوسط-  على ما كان عليه في فترة الفتوح ومرحلة الولاية، ذلك أنّ كل الدول القائمة بعد 160ه/777م اجتهدت في تطوير قدرات جيشها عددا وعدة وتنظيما.

التركيبة والعناصر:  إذا كانت المرحلة السابقة يغلب على تركيبة الجيش العناصر ذات الأصول العربية والبربرية، فإنّ بنية الجيش قد تنوعت بشكل واضح في هذه الفترة، ولم يقتصر تنوعها على الجند فحسب، بل تجاوز ذلك إلى تقلد العناصر الجديدة القيادة

- العناصر

الإمارة

الأصول العربية

الأصول البربرية

العبيد والزنوج

بلاد العجم، والاندسيين

الرستمية

وهم الجند من العرب البصريين  والكوفيين وأهل إفريقية

من نفوسة عصب الدولة، ولماية ولواتة وهوارة ومزاته وسدراتة، ويشير ابن صغير إلى صنهاجة

كانوا ضمن الشرطة وفي حماية الأكابر

الفرس، الوافدون من البلقان، من إيطاليا، ومن الاندلس. ومنهم الخدم كالصقالبة

الفاطمية

العرب الهلالية وقبيلة  سليم. ثم العناصر المصرية

أنصارهم البرانس خاصة بربر كتامة ومنهم القادة وعجيسة وزواوة ثم صنهاجة الذين كوّنوا جيشا بريا وهم أهل قوة وشجاعة وإخلاص 

كان جلبهم من بلاد السودان لازدهار تجارة الفاطميين، يعملون خدما وقت السلم والحرب

دخول العناصر الصقلية

الحمادية

القبائل الهلالية مند 443ه/1048م"عدي والاثبج"وزغبة. شاركوا في معركة حيدان ضد المعز الزيري سنة 443ه

صنهاجة في فرقة الفرسان( 12 ألفا)، وشكل الزناتيون الجيش الاحتياطي كبني ومانو وبني يلومي ومغراة، تم توظيفهم في الحدد الغربية بتلمسان

حرس خاص من بلاد السودان،وفرق  يلازمون الملوك، وجند بلغ 20 ألفا منهم، صفتهم الطاعة والتحمل

البيضان(الروم) كعبيد جاؤوا عبر التجارة والأسر، وأندلسيون بين أصول عربية وبربرية، لهم خبرة عسكرية وحرفة صناعة السلاح

- التركيبة

     عموما كان الجيش في هذه الفترة مقسّم - حسب حالتي السلم والحرب- إلى جيش نظامي وآخر تطوعي أو مؤقت" وقتي":

  1. الجيش النظامي يكون في الوضعية النظامية الدائمة معبرا عن وجود دولة قائمة بشأن الملك والرعية، وهو يتألف من القبائل المستقر ة مثل قبائل بني رستم كنفوسة ولواتة ولماية، وعجم وجند إفريقية الذين ابتنوا دورا وقصورا ومدنا استقروا بها. مثلما اعتمد الفاطميون على كتامة في ترسيخ سياستهم.  ويقوم هذا النوع بمهام التدريب الدائم وحراسة السلطان وآله، وحراسة الرعية مشكلين بذلك نظام شرطة. ولهم في ذلك مرتبات وأعطيات منتظمة، كما كان يفعل الأمير عبدالرحمن بن رستم. ولهذا الصنف قيادة عامة في طليعته، ويكون أغلب تشكيله من الفرسان كفرق بني حماد.
  2.   الجيش التطوعي أو المؤقت والذي يكون عن طريق الحشد لمهام وقتية، وهو يتشكل من القبائل المتحالفة التي توجد بالضواحي مثل القبائل الرحل كمزاتة وسدراتة مع بني رستم، كما يذكر أنّه حينما أراد الاغالبة استرجاع حاضرة ميلة التي استولى عليها الداعي الفاطمي، قاموا بحملتين سنتي 289ه/ 902م و290ه/903م عن طريق حشد الموالين لهم، لأنّ الجيش النظامي لا يفي بالقدر. ويظهر أنّ غالبية ما حشد الأغالبة  كان من جيوش صقلية البالغ عدده 40 ألفا من متطوعين. ولا شكّ أنّ الحشود في كل دول المنطقة كان تحركها وسعيها بدافع الدعاية الدينية والتشهير بالعدو، فضلا عن الأعطيات التي تجيئ بفتح الخزائن وإغداق المال عليها، إضافة إلى الإغراء بالمناصب، وكان التركيز في هذا الدافع الأخير على رؤساء القبائل تحديدا، ليكثر الحشد الى الجيش.

- أعداد الجيوش والاحصاء : إذا كانت تركيبة الجيش متعددة الأعراق، وصفة تكوين الجيش بين نظامي معلوم العدد ومتطوع متغير التعداد، فإنّه من الصعب الوقوف على رقم صحيح لأعداد جيوش دول بلاد المغرب الأوسط، وأنّ هذا العدد كان يتغير بحسب طبيعة المعركة وصفة العدو، ويمثل الجدول الموالي التعداد العسكري في بعض المواجهات والمعارك حسب الدول المتعاقبة.

الدولة

الفترة

أعداد الجيوش لبعض المواجهات

الملاحظة

الرستمية

عهد عبدالرحمن بن رستم

15 ألف مقاتل لمحاصرة طبنة

كانت هذه الأعداد إما 

- لحماية العاصمة

- أو تأديب قبيلة غير مطيعة

- مهاجمة الاغالبة 

-أو تحقيق التوسع

- وكان التجنيد في النفير أكثر منه في عيره

عبد الوهاب سمى تهرت بأم العسكر

اجتمع له أمم كثيرة وخلق عظيم

أفلح بن عبدالوهاب

هاجم العباسية بجيش قوي منظم فيه الف فارس

حارب أبو اليقظان    أحمد بن طولون

بجيش قوامه َ12 ألف مقاتل

قبيلة لماية 

جندت وحدها  30 ألف مقاتل

قبيلة نفوسة

20 ألف فاس، ومبارزون وعلماء

قبيلة هوارة 

كانت إذا استنفرت جندت 30 ألف مقاتل منهم فارس أبلق.

الفاطميون

جيش الداعي الشيعي الأول بإيكيجان سنة 296ه/909م

اتجه الى الأربس بباغايا بتعداد 200 ألف مشاة وخيالة

- وفي اجاهه إلى رقادة كان 300 الف 

الجيش من راجلين وفرسان

متطوع ونظامي

الجيش الحمادي

في موقعة سبيبة ،أو في الزحف على زناتة، أو غيرها من المواجهات

كان تعداد جيش بني حماد يتراوح بين 20ألفا و30 ألفا 

وشكلت قبائل الأثبج ثم زغبة وربيعة القوة الضاربة  في الجيش الحمادي

-التموين والامداد: كانت هذه الأعداد والأصناف في الجيش تتلقى دعما ماديا وإمدادا معتبرا لتحقق أهداف الدولة، ولا شك أنّ المصادر التقليدية كالخراج والجزية والغنائم والزكوات كانت الأساس في التعبئة، فقد أنشأ الرستميون "ديوان الزمام والنفقة" يشمل تجهيز الجيوش والانفاق على التسليح ودفع الرواتب"، مثلما كانت الجبايات دليل ولاء عمال الدولة للحاكم الرستمي بتهرت ، يعطى فيها للأمير وحشمه وقضاته وشرطته وغيرها نصيب. كما كان الحماديون الذين امتلأت قلعتهم بذخائر مدخرة وأموال مخزنة، ساهمت فيها القبائل والأسر الغنية عينيا للدفع بحركة الجهاد خصوصا بعد الانفتاح على البحر.

- آدوات القتال: تشير المصادر الى استعمال آلات متنوعة لحسم المعارك أمام الآخر، ومنها السيوف والرماح والدروع والدروق والنبال والبروج الحربية والقلاعفالسيف يستعمل في كل المواجهات ،يرافقه خنجر  مع غمده، كما تحضر البوقات والطبول فيُحمى بها الوطيس.

 أما الرّماح  فهي عدة الفرسان والمشاة بحسب أنواعها، فمنها الطويلة المختصة بالطعن وتسمى الصبريرات ومنها القصيرة "كرماح القنا والقنطاريات المدهونة  المذهبة" . والرماح ملازمة دوما كالسيف للأفراد إذ يشير ابن صغير أنّ عبدالرحمن بن رستم كان ينام وسيف ورمح وفرس مربوطة في ناحية من داره. كما استعمل الحماديون - في مواجهات مثلا بين الناصر بن علناس والمعز بن باديس - الرمح الطويلة، وهناك أنواع أخرى من السلاح كالقوس والحربة والنبال والسهام والدروع. والأقواس تستعمل باليد لرمي السهام في عدة اتجاهات. وهناك الدروع وتسمى الجنّة وهي سلاح يحمي بالأخص الجزء العلوي للمحارب تصنع من الحديد والجلد المقوى في طبقات، فقد قام الرستميون على صناعتها، واستعملها الناصر الحمادي عند حصاره المهدية سنة 457ه، وقد جلبوا الدرق اللمطية  وهي نوع من التروس الفردية، وتنسب إلى لمط " الضبع" وإلى "قبيلة لمطة" وهو جلد يتميز بالصلابة والمتانة يحمي من اختراقات السهام وضربات السيوف، مثلما تتميز بخفتها ومرونتها ويتم شراؤها أو غنمها أو صناعتها، فقد غنم حماد من ابن أخيه باديس في معركة الشلف سنة 406ه/1015م عدد 10 آلاف درقة لمطية. وهناك الخوذات أو الخوذ والغفارات، والتي توضع على رؤوس القادة والجند للوقاية من الضربات وتصنع من الجلد القوي أو الحديد أو البرونز، عرّفها الحماديون "بالعمامة والرؤوس"وصنعوها بالقلعة، وغالبا ما أحاطوها بعمائم ذات ألوان للتمايز بين الجند في المعارك.

أنواع من الدروع

 

 

 

 

 

- الصناعة الحربية تدعم الجيش الجزائري في العصر الوسيط بصناعات حربية عززت مكانته وكفاءته، إذ توفرت إمكانات عديد ساهمت في ذلك ومنها الكفاءات المهنية واليد العاملة المحترفة، فوجد الحدادون الماهرون "محليون وأندلسيون"، كما توافرت مواد التصنيع بكل من بونة ومجانة ومرسى الخزر، وكانت بلاد كتامة - على ما ذكر البكري- مليئة بحجر الآزورد الجيد والنحاس والحديد المستخرج أيضا من جبل وهران،  وقد استفادت صناعة السفن من هذه المواد فبالإضافة إلى النحاس المستعمل على شكل صفائح هناك القطران والزفت والصمغ المستعملة " لقلفطة" السفن حتى لا تؤثر عليها المياه بالإضافة إلى الثروة الخشبية "كشجر الزان" التي توفر -كذلك - الألياف لصناعة الحبال. وقد أنشئت لذلك دور للصناعة منها دار صناعة الأساطيل والمراكب والسفن والحرابي ببجاية، باعتبارها تتوفر على الخشب والزفت العالي الجودة والقطران وعدد من المعادن,

الأسلحة المتطورة والثقيلة: استخدمت المنجنيقات الثقيلة، وفق نماذج جديد تحدث دمارا، حيث صارت تقذف بالحجارة الكبيرة في مسار سوي كالمدافع. وهي نفسها التي استعملها الفاطميون في رمي المحاريق والقوارير الزيتية  الحارقة. كما استعملت النار الإغريقية  وقد استخدمها الاغالبة ضد البيزنطيين، وعليها سمي نوع من السفن بالحراقات، وهي المراكب التي تقذف بلهب النفط على الأعادي، وقد استعملها الفاطميون أثناء ثورة ابي يزيد "صاحب الحمار" .

 

 
 

تنظيم الجيش:

قُسم الجيش في هذه المرحلة إلى قوات برية كما هو معتاد وقوات بحرية، حينما ظهر الاهتمام بالغزو لجزر البحر المتوسط، كما بقي مقسما من حيث التعبئة البشرية إلى جيش نظامي وآخر تطوعي يعلن له الحشد في الأوضاع الوقتية.  كما انتظم الجيش الحمادي في "كراديس " تحمل فيه كل قبيلة لواءً  تعرف به مكتوب عليه شعار " لا إله إلا الله" أو عبارة " لا غالب إلا الله"، هذه الرايات ذات ألوان متباينة لتميز به كل قبيل عن غيرها، تنصب الراية عن خيمة كل أمير قبيلة، وتتبع الراية بضرب الطبول   وخفق البنود وصيحات التهليل والتكبير عند التحرك، بالإضافة إلى البوقات، مع مباركة الأمير.

من التنظيمات العسكرية الحرس الخاص: يؤدي غرض حراسة الإمام وأسرته ومقربيه، وحراسة أبواب المدينة، والحراسة الليلية، فقد اتخذ الرستميون الأجناد بطانة، كما اتخذ أبو حاتم رجلا من خاصته من أهل الحرب، مثلما كان يقف "حرس مسلحون" بجانب الأمير الأغلبي.

يدخل ضمن التنظيم العسكري سلك الشرطة، ومهمتها حفظ الأمن، وحراسة السوق، وتأمين طرق التجارة، وحماية الموانئ والفنادق، وربما استعمل هؤلاء الكلاب والأبواق مثلما نجده لدى بني حماد، وقد ذكر ابن صغير أنّ هذا الجهاز كان تابعا للإمام عبدالرحمن ومن جاء بعده. ولم تخل أيّ دولة من جهاز الجوسسة الذي يحضر  بشكل لافت لدى الفاطميين.

- استراتيجية الحرب والخطط

لا شك أنّ استراتيجية المواجهات وأسلوب الحرب وخططها يتطور من فترة لأخرى بحسب المعطيات. ولا شك أيضا أنّ الانتصارات كانت تحقق وفق نواميس حربية من مبادئها:

1- الاعداد الجيد للمعارك بتدريب الجند على استعمال الخطط والسلاح، والعمل على تحفيزهم بالدعاية الدينة والخطب الحماسية، وتنبيه الجند على بذل الوسع والجهد بالنظر لقدسية المهمة، وشرف الجهاد والاستشهاد.

  1. جمع أكبر قدر من المعلومات عن العدو عن طريق الاستخبارات والجوسسة، فمعرفة أعداد وقيادات الجيش، وكمية وأنواع السلاح، وخطط وتحالفات العدو أمر مصيري زمن المعارك و فترة الحروب.
  2. فن الخدع والحيل الحربية ، وضبط الخطط أثناء الهجوم أو أثناء الدفاع، كلها إجراءات كانت حاضر لدى جيش الفتح والجيوش بعدها.

3- الدول التي نشأت في المغرب الأوسط في العهد الاسلامي الثاني  :

أ - الدولة المرابطية: ( 1055 – 1147م): هي إحدى الدول التي قامت في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) تأسست هذه الدولة جنوب غرب بلاد المغرب العربي، وبالتحديد في الصحراء الواقعة شمال مصب نهر السنغال، أي جنوب دولة موريطانيا الحالية، ويعود تأسيسها إلى الفقيه المالكي عبد الله بن ياسين، الذي استطاع توحيد قبائل الصحراء الكبرى، التي كانت تتنقل بين الجزائر وموريطانيا، وأهم هذه القبائل هي : لَمْتُوْنَة، وجِدالة، وجزُوْلة، ومَسُّوْفَة، ولمطة، وكلها من القبيلة الكبرى صنهاجة الجنوب، وعرف هؤلاء في المصادر بالملثمين، لأنَّ رجالهم كانوا يُغَطُّون وُجهوهم باللِّثام، كما يفعل أحفادهم الطوارق في الصحراء الجزائرية اليوم.دخلت الدولة الفتية بتولي يوسف بن تاشفين، مرحلةً جديدةً خاصةً بعد أن بنى هذا الأخير مدينة مراكش جنوبي المغرب الأقصى سنة(454هـ/1062م)، واتخذها عاصمةً له، ومركزاً لحملاته التوسعية في المغربين الأقصى ثم الأوسط. استقر الأمر ليوسف بن تاشفين، وأصبحت دولته تمتد من حدود بجاية شرقا، ودخلت في سيطرته مدينة الجزائر وتلمسان وندرومة، إلى المحيط الأطلسي غرباً، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى بلاد السودان الغربي جنوباً،  بينما كانت الأندلس أواخر القرن الرابع الهجري، تتجه إلى مزيدٍ من الضعف والتفكك، حيث أصبحت مهددةً باجتياحٍ من الممالك المسيحية في الشمال، خاصةً بعد أن نجح  ألفونسو السادس(Alfonso VI)، ملك قشتالة، في انتزاع مدينة "طُلَيْطِلة"، حاضرة وسط الأندلس، وعاصمة إسبانيا قبل الفتح، سنة 478هـ/1085م، كما أصبح يهدد إِشْبِيلِيّة، مما دفع أميرها المعتمد ابن عباد إلى الاستنجاد بالمرابطين، فأجابه يوسف بن تاشفين، الذي أعد العدة وشرع في نقل الجيوش إلى الأندلس، وكان ذلك في عام (478هـ/1085م)، وفي رمضان من سنة 479هـ الموافق لـ(1086م) وقعت معركة الزلاقة، بين جيش المرابطين الذي ساندته قواتٌ أندلسيةٌ بقيادة المعتمد بن عباد أمير إشبيلية من جهة، وجيش ألفونسو السادس(Alfonso VI) المدعوم من الممالك المسيحية من جهة أخرى، وانتهت هذه المعركة بانتصارٍ ساحقٍ للجيش الإسلامي بقيادة المرابطين، وأصبحت الأندلس تابعةً لهم بعد أن أنهوا حكم ملوك الطوائف، واستمر حكم المرابطين للمغرب والأندلس، حتى ظهرت حركة المهدي بن تومرت المعارضة، والتي انتهت بتأسيس دولة الموحدين وإسقاط حكم المرابطين، وقد حكم هذه الدولة في المغرب خمسة أمراء أولهم :أمير المسلمين يوسف بن تاشفين، ثم علي بن يوسف بن تاشفين، ثم تاشفين بن علي، والرابع هو إبراهيم بن تاشفين، أما آخرهم فهو إسحاق بن علي الذي قتله الموحدون سنة (541هـ/1146م)

الدولة المرابطية

ب . الجيش المرابطي:

اهتمت دولة المرابطين بالجيش اهتمامًا كبيرًا، فقد كانت هذه الدولة منذ تأسيسها مجبرة ًعلى خوض الحروب، لمواجهة خصومها من القبائل الصحراوية، ومن ممالك السودان الغربي، وتزايدت أهمية الجيش بالنسبة لهذه الدولة بعد توسعها شمالاً وصدامها مع القبائل والدول في المغربين الأقصى والأوسط، وظل الطابع العسكري هو الغالب على هذه الدولة، فأمير المسلمين الذي يعتبر الحاكم الأعلى للدولة هو قائد الجيش، ووزراء الدولة وولاة الأقاليم كانوا أيضا من أمراء الجيش، واحتكرت قبيلة لمتونة القيادة العليا للجيش، بينما تقاسمت قبائل صنهاجة الأخرى مختلف المسؤوليات في الجيش، واكتسب الجيش المرابطي سمعةً كبيرةً، حيث اشتهر بالقوة و عُرف جنوده بالصبر والجَلَد والتَّمَرُّس في الحرب،

جنود من جيش المرابطين



- التركيبة البشرية لجيش المرابطين:

   ضم الجيش المرابطي بعد قيام دولته، واتساع حدودها، مختلف العناصر المشكلة لسكان بلاد المغرب والأندلس في القرن الخامس الهجري، ويعتبر يوسف بن تاشفين أول من فتح باب الالتحاق بالجيش لغير المنتسبين للقبيلة الأساسية صنهاجة الجنوب، وذلك لحاجته للمزيد من الجنود ورغبته في استيعاب كل القبائل التي دخلت تحت سلطته، 

-أولا/ الجنود البربر:  يتشكل جيش المرابطين أساساً من أبناء قبيلة صنهاجة الجنوب البربرية بكل فروعها (لَمْتُوْنَة، وجدالة، وجزُوْلة، ومَسُّوْفَة، ولمطة)، وهم المشهورون في المصادر بالملثمين، لأنهم كانوا يغطون وجهوهم ولا يكشفونها بأي حال من الأحوال، (كما يصنع أحفادهم من الطوارق اليوم في الصحراء الجزائرية)، وهم يشكلون النواة الأساسية للجيش المرابطي، إذ يمثلون أكثرية القوات النظامية (المجندون الدائمون)، وكان أكثر رُكوبهم الإبل، خاصة في بداية دولتهم، وإن كان بعضهم يركب الخيل، وهم يتسلحون بدرق اللمط، وهي نوع من الدروع خاص بهم،  ويحملون السيوف، والمزاريق(رماح قصيرة) والرّماح الطوال، وإلى هؤلاء البربر الصنهاجيين، كانت تُسند المسؤوليات في الجيش المرابطي، لأنهم محل ثقةٍ، ومن أشهر هؤلاء القادة : سير بن أبي بكر، وتميم بن يوسف، وداود بن عائشة، وعبد الله بن فاطمة، وعمر بن سليمان المسوفي، ومزدلي بن تيلكان اللمتوني، لكن الحظ الأكبر في القيادة كان من نصيب قبيلة "لمتونة"،حتى وُصف المرابطون في بعض المصادر "باللمتونيين"، وكان للملثمين درايةٌ كبيرةٌ بالحرب، زرعت الرهبة في قلوب أعدائهم.

                              

                                                    جنديٌ من الملثمين

ثانياً/الحشم: كون الجيش المرابطي إضافةً إلى أبناء قبيلة صنهاجة، عناصر بربريةً من مختلف قبائل المغرب، خاصة بعد توسع الدولة المرابطية شمالاً، وسيطرتها على مناطق واسعة من بلاد المغرب، والأندلس فزادت حاجتها إلى المزيد من الجنود، ودخل في ولائها عددٌ كبير من القبائل مثل زناتة في المغرب الأوسط والأقصى، ومصمودة في المغرب الأقصى.

ثالثاً/ العرب:كانت القبائل العربية (بنو هلال وبنو سليم) خلال القرن الخامس الهجري، تنتشر في المغربين الأدنى والأوسط، وكان أبناؤها مشهورين بالفروسية والتمرس في الحروب، ومع اتساع دولة المرابطين، بدأ احتكاكهم بالعرب خاصة في المغرب الأوسط، ازدادت حاجتهم لتجنيد عناصر جديدة، فاستعانوا عند عبورهم إلى الأندلس بمقاتلين من العرب وقد شكل العرب فرقة من أهم فرق الجيش المرابطي، ينتمي بعضها إلى العرب الهلاليين، إضافة إلى العرب المستقرين بالمغرب الأقصى والأندلس، لكن اعتماد المرابطين على المقاتلة العرب كان أقل من اعتماد الموحدين عليهم كما سيأتي ذكره.

رابعاً: النصارى المعاهدون:  يضم هذا النوع من الجنود نصارى الأندلس الذين بقوا تحت حكم المسلمين، أو انتقلوا إلى المغرب، إضافة إلى أسرى الحروب التي خاضها المرابطون ضد نصارى الشمال، إضافة إلى العبيد الصقالبة والإيطاليين، وقد استعمل المرابطون هؤلاء النّصارى في خدمات الجيش المتنوعة، وشكلوا منهم فرقا خاصةً أسندوا قيادتها إلى بعض القادة النصارى، حيث ذكرت المصادر بعضهم ومنهم: القائد القطالوني الذي ذكره ابن القطان في  نظم الجمان، باسم: الروبرتر(Reverter  أو Roberto): وقد  شارك مع الأمير تاشفين بن علي بن يوسف في صد هجمات الموحدين، ومن المثير للانتباه أن فرق النصارى المعاهدين التي لعبت دوراً مهما في حروب المرابطين الطويلة، كان لها دورٌ كبير في سقوط عاصمتهم مراكش في يد الموحدين سنة541هـ/1147م، حيث فتحوا بعض أبوابها لعبد المؤمن بن علي.

خامساً: العبيد وعرفوا أيضا بالسّودان وبالزنوج، وذكرتهم بعض المصادر باسم :"الحشم"، وكانت أعدادهم كبيرةً، لأن المرابطين سبق لهم أن خاضوا حروبا مع الممالك الواقعة جنوب السودان، وتوغلوا داخل مملكة غانا، فحصلوا على الكثير منهم عن طريق الأسر، أو بواسطة الشراء، خاصة وأن تجارة الرقيق نشطت بشكلٍ غير مسبوقٍ على عهد المرابطين، شكل العبيد ركناً أساسيّا في الجيش المرابطي، منذ عهد يوسف بن تاشفين الذي ختار أمهرهم، وزوّدهم بالسلاح والخيل، ودربهم على جميع فنون القتال، ثم اتخذ منهم حرسه الأميري الخاص، وكون منهم فرقةً عسكرية خاصةً كان لها دورٌ حاسمٌ في المعارك، خاصةً في معركة الزلاقة، 

جندي من العبيد في جيش المرابطين على يسار الصورة:

 

1-تشكيلات جيش المرابطين

أولا/ الفرسان:انتهج المرابطون في توزيع الجيش على نفس النظام الذي كان معروفا عند المسلمين، وهو تقسيم القوات إلى خمس فرقٍ هي : المقدمة، والمؤخرة (لحماية المؤونة والحمولات الثقيلة كالمجانيق)، والميسرة، والميمنة، والقلب وفيه قائد الجيش، وكان أمير المسلمين هو القائد الأعلى للجيش، ويعتبر الخيّالة أو الفرسان: من أهم صنوف جيش المرابطين، ولهم الدور البارز في حسم المعارك، وقد بلغ عددهم –حسب بعض المصادر- نحو مائة ألف فارسٍ على عهد يوسف بن تاشفين، يتمركزون غالباً في القلب، وربما يُغَيِّرون مواقعهم بحسب مجريات المعركة، وربما يشارك عدد من الفرسان مع المشاة في المقدمة، والفرسان يرتدون خوذاً ودروعاً، وسلاحهم عبارة عن الترس والرمح والسيف

الفرسان المرابطون

 

وكان أكثر فرسان المرابطين من راكبي الإبل (الهجن)، الذين يتسلحون بالدُّروع والسُّيوف والرٍّماح الطويلة، لكن اعتمادهم على الإبل قلَّ بعد أن انتقلوا إلى الأندلس وبدأوا يميلون لاستعمال الخيول، بينما استخدمت الإبل لحمل المؤونة ونقلها، وقد كانت الإبل حاضرةً في انتصارات المرابطين الكبرى، مثل معركة الزلاقة (479هـ/1086م)، وساهمت بنسبةٍ كبيرةٍ في تحقيق النصر، لأنها أخافت خيول النصارى وأصبحت تنفر منها، وكان ابن تاشفين يحيط بها معسكره لحمايته.

فارس مرابطي من راكبي الإبل

 

ثانياً/الجنود المشاة:أما الجنود المشاة فيُشكلون أكثرية جيوش المرابطين، يقول أبو عبيد البكري (ق.5هـ/11م:  «...وأكثر قِتالهم رَجَّالَةٌ صُفُوفًا...»، فكان يتموقعون في المقدمة، وينقسمون إلى قسمين، الأول منهم الرَّمّاحون، وهم الرجال الذين يتسلحون بالرِّماح الطويلة، ، وهي فعالة جدا عند الالتحام حيث تستخدم لطعن العدو وقتله، أما القسم الثاني من المشاة فهم الرُّمَاة والنشّابون، الذين يكون موقعهم في الحرب خلف الرَّماحين مباشرةً، والرُّماةُ من الصنوف المهمة في الجيش المرابطي، سلاحهم الرئيس السَّهم والقوس، والقِسِي أو المزاريق وهي نوع من الرِّماح القصيرة، اشتهر بها جُند الملثمين، وهي تُقذف باتجاه العدو، ومُهمة هؤلاء الرُّماة هي رشق العدو بالسهام والمزاريق.

الجنود المشاة المرابطون

 

ثالثاً/ الطلائع والعيون والجواسيس:  واعتمد جيش المرابطين على "الطلائع"، وهم جنود استطلاعيون يختارون من أحسن الخيالة يسبقون الجيش أثناء تحركه بأميالٍ، وكان دورهم استكشاف الأرض واستطلاع أحوال العدو قبل المعارك، ثم يعودون إليه بأخبار العدو، وكان المرابطون يخرجون الطلائع حول معسكراتهم لمنع مباغتة العدو لهم.

   كما اعتمدوا أيضا على العيون والجواسيس وهؤلاء كان دورهم أشبه بدور الاستخبارات العسكرية اليوم، وكان دور الجواسيس فعالاً في نصر الزلاقة الشهير.

رابعاً: المنجنيقيون:ضم الجيش المرابطي أيضاً: "المنجنيقيين"، وهم رماة المنجنيق، واشتهر منه نوع عند المرابطين عرف بـ "العَرَّادَات"، الذين تظهر فعاليتهم عند اقتحام القلاع والحصون، كما يمكن استخدام المنجنيق في حالة الدفاع من داخل الأسوار أو القلاع على قوات العدو المهاجمة.

خامساً/ القوات البحرية المرابطية:يعتبر هذا السلاح مستحدثاً في جيش المرابطين،  فالملثمون في الصحراء لم يكن لهم عهدٌ بركوب البحر، ولكن الحاجة فرضت عليهم الاهتمام بهذا الجانب، فبعد أن ضموا الأندلس وحولوها إلى ولاية مرابطية، وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع جيوش النصارى البحرية، وأصبح لزامًا عليهم تأمين وحماية الموانئ الساحلية المشرفة على البحر الأبيض المتوسط أو المحيط الأطلسي، مما دفع المرابطين لإنشاء الأسطول، وأول من فكر في بناء أسطول بحريٍ هو يوسف بن تاشفين، لكن هذ الأسطول تطور بعد وفاته، وسرعان ما فاق عدد قطعه مائة سفينةٍ موزعةً على موانئ  بلاد المغرب والأندلس، منها ما هي مخصصةٌ للنقل، وقد برز من القادة البحريين عائلة بني ميمون، وعلى رأسهم أبو عبد محمد الله بن ميمون الذي تولى قيادة أسطول المرابطين في عهد علي بن يوسف ابن تاشفين(500هـ/1106م-537هـ/1142م) وكان يتخذ من مدينة "المرية" قاعدةً لأسطوله، لقد نجح الأسطول المرابطي في تأمين الحدود البحرية للدولة وصد هجمات أعدائها، ويعتبر هذا الأسطول نواة البحرية الموحدية التي ستعرف تطورًا كبيرًا.

ج/ أشهر أسلحة جيش المرابطين:

الدرقة اللمطية:حمل الجندي المرابطي مختلف أنواع السلاح التي كانت معروفةً في ذلك العصر، من السيوف بأنواعها، وخاصة المُهَنَّدَة منها، والأقواس والسِّهام، والرِّماح الطويلة، كما  اشتهروا بحمل القِسِي أو المزاريق وهي نوع من الرِّماح القصيرة، لكن أشهر سلاحٍ عُرف به المرابطون هي الدَّرق اللَّمطية"، وهي نوعٌ من التُّروس (الدروع) اختصوا بحمله قبل غيرهم من الجيوش، 

 

الدرقة اللمطية

د/ الاستراتيجية العسكرية للجيش المرابطي:

   وصف أبو بكر الطرطوشي ( ت: 520هـ/1126م )، أسلوب قتال جيش المرابطين في بعض معاركهم فقال:

«".... يتقدم الرجالة بالدَّرَق الكاملة، والرّماح الطوال، والمزرايق المسنونة النافذة، فيَصُّفُوا صُفوفهم، ويُركِّزُون مركزهم ورِمَاحَهم خلف ظُهورِهم التي تُمزِّق سهامهم الدّروع، والخيلُ خلف الرُّماة ... فإذا قرب العدو رشقهم الرماة بالنُّشاب، والرَّجالة بالمزاريق، وصدور الرِّماح تتلقاهم ... فتخرج خيل المسلمين بين الرُّماة والرَّجالة فتنال منهم ما شاء الله تعالى"» وهذه إحدى خططهم في الحرب، لكن لمرابطين خاضوا الكثير من الحروب في مناطق جغرافيةٍ مختلفةٍ، من حوض السنغال وأواسط الصحراء جنوبًا، إلى الهضاب والجبال شمال البلاد ، إلى الأندلس في أقصى الشمال، وهذا ما أكسبهم خبرةً، وجعل جنودهم قادرين على التأقلم مع مختلف الظروف، لكنه حتَّم عليهم  تنويع أساليب القتال، وانتهاج خطط تتناسب مع الطبيعة التي يقاتلون فيها، فحروبهم الأولى بالصحراء كانت تعتمد على المباغتة والهجمات الخاطفة التي تربك الأعداء ولا تعطي لهم فرصةً لالتقاط الأنفاس، أما عند المواجهة المباشرة فكانوا يراهنون على كثرة عددهم وبراعتهم في ركوب الإبل وعلى أسلحتهم البسيطة، لكن استراتيجيتهم العسكرية تغيرت تماما بعد انتقالهم إلى الشمال ، حيث أصبحوا يعتمدون على العيون والجواسيس لتقصي أخبار العدو، وعلى الطلائع لدراسة أرض المعركة، كما انتهجوا أسلوب الكمائن، والهجمات مباغتة، وعندما انتقلوا إلى الأندلس، وجدوا أنفسهم في مواجهة جيوش النصارى المنظمة والمجهزة جيدًا، وهذا ما حتَّم عليهم انتهاج استراتيجيةٍ أكثر تنظيماً، فزادوا من عدد الجنود حتى أصبح جيشهم جرارًا، وأصبح قادة الفرق يجتمعون في مجلس الحرب قبل كل معركةٍ للمشورة، ودراسة التقارير التي يرفعها الجواسيس، والمعلومات التي يقدمها أفراد الطلائع، ورسم خطط للهجوم والانسحاب.

ب- الدولة الموحدية (524–668هـ/1129-1269م)

يعود تأسيس هذه الدولة إلى الدعوة التي بدأها مع مطلع القرن السادس الهجريّ، الفقيه محمد بن تومرت المصمودي، الملقب بـ المهديّ،  الذي عاد إلى المغرب سنة 505ه/1112م ، من رحلةٍ طويلةٍ إلى المشرق، وبدأ دعوته من بجاية حيث اعتمد فيها على رجلين من المغرب الأوسط(الجزائر)، كانا عماد دعوته وأهم رجال الدولة الموحدية فيما بعد، وهما: عبد المُؤمن بن علي التاجريّ الكوميّ الندروميّ الجزائري، وعبد الله الونشريسي الجزائري المعروف بالبشير، مزج ابن تومرت في دعوته بين التجديد والإصلاح الديني والتغيير السياسي، فقد كان يدعو إلى اسقاط دولة المرابطين، وإقامة دولةٍ جديدةٍ على أسس الحق والعدل، ولما وصل مراكش سنة 515هـ/ 1121م، قام بدوره في الوعظ والإرشاد، ثم أعلن الثورة ضدهم صراحة، وفي سنة 518ه/ 1124م، اتخذ من منطقة تينملل بجبل درن حيث موطن قومه من قبيلة مصمودة قاعدةً لدعوته، واختار ابن تومرت لقب الموحدين، وحصره على أتباعه دون غيرهم من المسلمين، لكنه سرعان ما توفي  يوم(13رمضان524ه/ 20أوت1130م). قبل أن يتم مشروعه، وأوصى بالأمر من بعده لعبد المؤمن بن علي، الذي واصل الثورة حتى نجح في دخول عاصمة المرابطين مراكش وأسقط دولتهم، في 18 شوال سنة 541هـ، وقتل آخر أمراء المرابطين، “إسحاق بن علي بن تاشفين” . 

ورث الموحدون عبد المؤمن وخُلفاؤه دولة المرابطين بالمغرب والأندلس،  ونجحوا في توسع حدودها شرقاً حيث ضموا بجاية وإفريقية ونجحوا في استرجاع مدينة المهدية من النورمان، كما مَدُّوا نفوذهم إلى طرابلس، وقد نجح الموحدون في إخضاع القبائل العربية التي كانت تُزعج الدّول قبلهم، ثم التفتوا إلى الأندلس فعبر إليها خلفاء الموحدين وأعادوا ترتيب شؤونها، حتى دانت لهم، وأحرزوا على نصارى الشمال نصرًا كبيرًا فى موقعة الأرك 591هـ 1195م، فأصبحت دولتهم تضم الأندلس و بلاد الشمال الافريقي، وأصبح ملكهم قويًا متماسكاً خاصةَ فى ظل الخلفاء الثلاثة الأوائل، ولكن الهزيمة حاقت بهم بعد ذلك فى معركة العقاب (609هـ 1313م)، التي قادها الخليفة الرابع أبو محمد عبد الله الناصر، وتعتبر هذه الهزيمة بداية لتراجع الموحدين، وبداية غروب شمس الإسلام عن الأندلس.

الصورة دولة الموحدين في أقصى اتساعها (ق.6هـ/12م) 

الجيش الموحدي:

اهتم حكام الدولة الموحدية منذ بداية دولتهم بقوة الجيش وجاهزيته، وزاد اهتمامهم بالجيش بعد توسعهم شرقاً، واصطدامهم بالعرب الهلاليين ثم الحمادين، ومواجهتهم للنورمان  في إفريقية، أما حروبهم في الأندلس فقد أجبرتهم على الاهتمام بالأسطول الحربي، وزيادة عدد المجندين في الجيش.

 التركيبة البشرية لجيش الموحدين:

اعتمد الجيش الموحدي في المرحلة الأولى لتأسيس الدولة على القبائل التي صدَّقت المهدي وبايعته، وتعرف في المصادر بقبائل الموحدين، وكانت تضم قبائل "مصمودة" إضافةً إلى بعض القبائل الزناتية مثل: "كُومِــية"، وهي قبيلة عبد المؤمن علي، كما ضم في صفوفه بعض جند المرابطين من صنهاجة الجنوب حَوَّلُوا ولاءهم إلى الدولة الجديدة، لكن تسارع الأحداث وتطور الدولة واتساع المساحة، وتزايد التحديات، حتَّم على قادتها فتح باب التجنيد أمام عناصر جديدةٍ، كان أكثرها من العرب الهلاليين، والعبيد والنصارى والأغزاز.

أولا/ العنصر المحلي (البربر):وقد شكل أبناء قبيلة مصمودة –كما سبق وأشرنا- النواة الأساسية للدولة الموحدية والجيش الموحدي، ومن أهم بطون هذه القبيلة نذكر : هرغة وهنتانة وتينملل، جنفيسة، وهسكورة، وظل هؤلاء يتمتعون بمنزلةٍ خاصةٍ في الجيش والدولة، لكن الجيش الموحدي ضم عناصر من مختلف القبائل البربرية خاصةً زناتة، التي دخل أبناؤها في خدمة الدولة الموحدية في مرحلةٍ مبكرةٍ، وذلك لأن الخليفة عبد المؤمن بن علي، قرر الاستعانة بأبناء قبيلته "كومية"، وهي بطنٌ من بطون زناتة كانت تستقر بالمغرب الأوسط (ندرومة)، بسبب خوفه من تحالف المصامدة ضده، فاتصل بزعمائها وطلب منهم أن يتجهزوا ويلتحقوا به ، فالتحق به منهم عددٌ كبيرٌ (أربعون ألفاً حسب ابن أبي زرع)، حيث اتخذ منهم عبد المؤمن بطانته وحرسه الخاص.وإضافةً إلى قبيلة كومية التي أصبح أبناؤها من المقربين لرأس الدولة الموحدية، نجح عبد المؤمن في استمالة قبائل زناتة في المغرب الأقصى، بعد أن كان ولاؤها للمرابطين، ودخلت القبائل القوية منها مثل : بني ومانو، بني عبد الواد، وبني يلومي، وبني توجين، في طاعته، أما قبيلة صنهاجة فكان أبناؤها ضمن قوات الجيش الموحدي، بعد أن انضم إليه أبناء صنهاجة الجنوب الذين كانوا مع المرابطين، كما انضاف إليهم بعد أن فتح الموحدون بجاية أبناء صنهاجة الشمال ممن كانوا في الجيش الحمادي.

ثانياً/العرب:لم يكن المرابطون يعتمدون على العرب الهلاليين في القتال، بشكلٍ كبيرٍ، لكن الدولة الموحدية استعانت بهؤلاء العرب، وعملت على إدماجهم في الجيش الموحدي حتى أصبحوا أحد مكوناته الأساسية، وأرجع ابن خلدون إدخال البدو من بني هلال وبني سليم في الجيش الموحدي، إلى رغبة ملوك الموحدين في ضخ دماءٍ جديدة في الجيش خاصة بعد أن رَكَنَ رجال الدولة من المصامدة للراحة والترف.

ويعتبر عبد المؤمن بن علي أول من اتخذ جنداً من العرب الهلاليين من الخلفاء، إما باستمالتهم وحثهم على المشاركة في جهاد نصارى الأندلس، حيث استعمل الشعر في استنفارهم، أو بإخضاعهم وإجبارهم على القتال معه عن طريق القتال ثم الأسر، وبدأ احتكاكه بهم مع توسعه شرقاً، ودخوله إفريقية، حيث كانت القبائل العربية من بني هلال وبني سليم تستقر في المغربين الأدنى والأوسط ( تونس والجزائر ). وعمل عبد المؤمن على نقل العرب إلى المغرب الأقصى وتوطينهم به، كما نقلهم إلى الأندلس وأسكنوهم في حصون وقرى، قريبة من بلاد النصارى، وعمل على تثبيتهم بها، وكان الغرض من هذه السياسة هو التخلص من إزعاج هؤلاء البدو في إفريقية، والاستفادة من خبرتهم وتمرسهم  في القتال، في مواجهة نصارى الأندلس الذين تزايدت هجوماتهم في هذه المرحلة. 

وواصل أمير الموحدين أبو يعقوب يوسف، سياسة تجنيد العرب في الجيش، والاعتماد عليهم في قتال نصارى الأندلس، فأصبحوا يشكلون قسماً هاماً من الجيش الموحدي، وكان لهم دورٌ فعالٌ في قمع ثورة محمد بن سعد بن مردنيش، سنة 565هـ/1170م، حيث قتل سبعة من شيوخ العرب وزعمائهم في هذه الحرب.

ثالثاً /النصارى أو الروماعتاد حكام المسلمين في الأندلس وبلاد المغرب على الاستعانة بالمقاتلين من الروم المسيحيين، وقد سيقت الاشارة إلى وجود هؤلاء في الجيش المرابطي، أما عن سبب الاستعانة بهم والاستكثار منهم فأرجعه ابن خلدون إلى طريقة قتالهم(الزحف صفوفاً) التي تخالف طريقة قتال العرب والبربر(الكرّ والفرّ) ، وكان الحصول على هؤلاء المقاتلين يتم إما عن عن طريق أسرهم، أو شرائهم في أسواق العبيد، أو حتى تجنيدهم كمرتزقة، وسار خلفاء الموحدين على نهج من سبقهم في تجنيد الروم المسيحيين، حيث أنَّ الخليفة عبد المؤمن بن علي استعان بطائفة من النصارى لقتال الثائر "الماسي" الذي تمرد عليه في بلاد سوس سنة (541هـ/1147م)، كما أنّ الخليفة الثاني أبا يعقوب يوسف، جنّد منهم أعداداً كبيرةً، وحافظ خُلفاؤه على هذا التقليد، ولم يعد وجودهم في الجيش مقتصرا على القوات التي تقاتل على الثغور، بل كانوا موجودين ضمن قوات الجيش ، ولم يكن الموحدون يثقون في هؤلاء الجنود تمام الثقة، خاصةً عند مواجهة النصارى المسيحيين.

رابعاً /الأغزاز الأغزاز : وهم  من الأتراك  الذين  دخلوا  إفريقّية،  ابتداء من حملة  قراقوش مملوك تقي الدين أخي صلاح الدين الأيوبي سنة569م/1173م، وتمكّن  أبو يوسف يعقوب المنصور(ت.595هـ/1199م) أثناء  حملته على قفصة أواخر  سنة 583هـ/1187م،  من أسر بعضهم، واسْتَأْلَفَ بعضهم الآخر، وكوّن منهم فرقةً خاصةً ضمّها إلى جيشه وأرسلهم إلى الثغور للقتال. ويبدو أن الخليفة المنصور كان معجباً بقوة هؤلاء الجنود الأغزاز وشجاعتهم وكان يُراهن عليهم، مما جعلهم يتمتعون بامتيازاتٍ خاصةٍ في عهد المنصور.

خامساً/العبيد السودان:يعود استخدام العبيد في الجيوش ببلاد المغرب إلى فتراتٍ سابقةٍ لدولة الموحدين، ولعب العبيد دوراً مهماً في الجيش المرابطي، وحافظ الموحدون على استخدامهم، وكانت منطقة السودان الغربي أهم منطقةٍ يُجلب منها هؤلاء العبيد، حيث أصبحوا يشكلون فرقةً خاصةً في جيش الموحدين.

سادساً/ الأندلسيون:ومن العناصر المشكلة لجيش الموحدين، الأندلسيون،  ويُقصد بهم القوات الأندلسية التي تنخرط في الجيش في معاركه التي يخوضها ضد النصارى بالأندلس، وهم يتكونون من مختلف عناصر المجتمع الأندلسي(عرب الفتح والبربر والمستعربون)، ينخرط أكثرهم طواعيةً، وكان حضورهم قوياً في كل المعارك التي خاضها الموحدون في الأندلس، خاصةً في معركة الأرك (591ه/ 1195م)، فقد جعلهم يعقوب المنصور في الميمنة،  ولَّى قيادتهم لرجل منهم يسمى أبا عبد الله بن صناديد. 

  • تشكيلات جيش الموحدين:  

أ/ الفرسان:كان عددهم قليلاً في بداية تأسيس الدولة، حيث ذكر ابن خلدون أنهم عندما حاصروا مراكش أول مرة نزلوا البحيرة في حصار مراكش سنة(524هـ/1130م) كان عددهم حوالي أربعين ألفاً، «"...كلهم راجلين الا أربعمائة فارس"» لكن أعدادهم تضاعفت بعد قيامها حتى ساوت أعدادُها في بعض المراحل أعدادَ المشاة، والمصادر لا تعطينا أرقاماً دقيقةً عن عدد الفرسان ولا عدد الخيول، غير أنّ ابن أبي زرع الفاسي في كتابه روض القرطاس، ذكر أنَّ عبد المؤمن بن علي عندما أراد العبور إلى الأندلس سنة (558ه/1163م) جمع قواته برباط الفتح :«"... فاجتمع له من عساكر الموحدين والمرتزقة من قبائل المغرب وقبائل زناتة أزيد من ثلاثمائة ألف فارسٍ، ومن جيوش المطوعة ثمانون ألف فارس ومئة ألف راجل، فضاقت بهم... "»، وهذه الأعداد كبيرة جداً وهي لا تخلو من مبالغةٍ.

وكان الفرسان في الحرب، يتوسطون الدَّارة المربعة، وهم محاطون بالجنود المشاة، وغالب سلاح الفرسان الترس والرمح والسيف.

الصورة السلطان الموحدي الناصر مع حارسين واحد من الفرسان والآخر من المشاة:

ب/الجنود المشاة:يعتبر المشاة من أهم فرق الجيش في العصر الوسيط كانوا يشكلون أكثرية جيش الموحدين، في بداية تأسيس الدولة، حيث ذكر ابن خلدون أنهم عندما حاصروا مراكش أول مرة نزلوا البحيرة في حصار مراكش كان عددهم حوالي أربعين ألفاً، «"...كلهم راجلين الا أربعمائة فارس"»، لكن أعداد الفرسان تزايدت فيما بعد كما سبق وأشرنا، وكان المشاة يتسلحون بالرماح القصيرة والقنا الطوال، والدَّرَق والحراب، وكان منهم الرماة المسلحون بالأقواس والنبال، ومنهم أصحاب المخالي التي  فيها الحجارة،

الصورة جنود المشاة الموحدون

ج/ فرقة الطبالين:اعتمد الموحدون مثلما فعل المرابطون قبلهم على الطُّبول في الحرب، وقد عدَّها ابن خلدون من «"... الشَّارات التي يختصُّ بها السُّلطان، ويتميَّز بانتحالها عن الرَّعية والبطانة وسائر الرُّؤساء في دولته"»، لكن الموحدين استكثروا منها، فكانت أكثر حضورًا في حربهم وسِلمهم، لأنهم كانوا يُركزون على الاستعراضات العسكرية، والجانب التنظيمي للجيش أكثر من سابقيهم، وكانت الطبول تُستخدم لأغراضٍ عسكريةٍ تنظيماً لسير الجيش، وإرهاباً للعدو قبل بدء المعركة، أو إعلاناً عن بشرى تُزفُّ، يقول ابن خلدون: «"....أمَّا الموحدون فقد قصروا الطُّبول والبنود على السُّلطان، وحظروها على من سواه من عماله، وجعلوا لها موكباً خاصاً يتبع أثر السلطان في مسيره يسمى السَّاقة..."»، أمَّا في أيام الاحتفالات فيقول ابن صاحب الصلاة أنَّ الطُّبول كانت تُضرب من ضَحْوة النهار إلى آذان الظّهر، وقد اختلفت المعلومات حول عدد طبول الموحدين، فيذكر ابن صاحب الصلاة أنَّهم كانوا يحملون معهم مائة طبلٍ، بينما يذكر ابن خلدون أنهم اقتصروا على سبعٍ من العدد "تبركاً بالسَّبعة كما هو في دولة الموحدين". 

د/ القوات البحرية الموحدية:لم يركز الموحدون في بداية دولته على القوات البحرية لأن كل معاركهم مع المرابطين أو القبائل المتحالفة معهم كانت بريةً، لكن اهتمامهم بالجهاد البحري زاد بعد فتح  مراكش سنة 541هـ /1146م، فبدأ عبد المؤمن بن علي  في التفكير في غزو الاندلس وسائر البلاد المغربيّة، يقول ابن أبي زرع:  «"ودخلت سنة سبع وخمسين وخمسمائة، وفيها أمر أمير المؤمنين عبد المؤمن بإنشاء الأساطيل في جميع سواحل بلاده، وعزم على غزو بلاد الروم في البر والبحر، فأنشأ منها أربعمائة قطعة، منها فيي حلق المعمورة، ومرساها مائة وعشرون قطعة، ومنها في طنجة وسبتة وبادس ومراسي الريف مائة قطعة، ومنها ببلاد الأندلس ثمانون قطعة"»، وقد بلغ الأسطول في عده من القوة والكثرة مالم تبلغه دولة قبه ولا بعده على حد تعبير ابن خلدون، وتعدّدت أنواع  هذه السّفن، فمنها  الشّيني المجهّز بأبراج للدفاع،  والطريدة، والغراب، والشختورة، والحرّاقة، ومنها الحراقات التي كانت تحمل المنجنيقات التي  ترمى بالنفط المشتعل، وسفن الانقاذ التي كانت تدعى بالمسطحات، وهي تعمل على انقاذ السفن الصغيرة من الخطر، واستطاعت الدولة الموحدية بهذا الأسطول تعزيز للنشاط التجاري في البحر المتوسط، وتحرير المهدية، وإيقاف توغل النورمان في إفريقية، وتأمين شواطئ الدولة في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي.

و/ أشهر أسلحة جيش الموحدين:

لم  تكن أسلحة الموحدين تختلف كثيراً عن أسلحة المرابطين، فالإشارات التي وردت متناثرةً في المصادر تذكر أنواعًا مختلفةً مثل: الدَّرق اللَّمطية، والرماح، والسيوف والدروع والبيضات، والقِسي والسهام والتروس والسيوف الهندية والقسي الخطية والرماح الطوال، لكن الموحدين كانوا يستكثرون منها، ويولون اهتمامًا بالغًا للتسليح، وتجهيز الجيش، حيث ذكر ابن أبي زرع في روض القرطاس، أنَّ أمير المؤمنين عبد المؤمن أمر ب ـ«"...الاستكثار من أنواع السلاح والعُدَد، وأمر بضرب السِّهام في جميع عمله، فكان يُضْرَبُ له كل يومٍ منها عشرة قناطير، فجمع من ذلك مالا يحصى"»، وتدل هذه الفقرة رغم ما فيها من مبالغة على مدى اهتمام الموحدين بالتسليح.

واستعمل الموحدون آلاتٍ مختلفةٍ لاقتحام المدن المحاصرة، ذكرت المصادر بعضها، مثل السلالم، وهو نوعٌ استُخدِم في فتح سلا ومراكش، كما استخدموا المنجنيق لهدم الأسوار والحصون، والدَّبابات ذات الطوابق، كما أشارت المصادر إلى أن الموحدين كانوا يستخدمون كراتٍ حديديةٍ ملتهبةٍ، يرمون بها أسوار مدن وحصون أعدائه إذا حاصروها، وقد ذهب بعض الباحثين إلى احتمال استعمال البارود في إطلاق هذه الكرات ولكن الأمر مستبعدٌ، ومن اللافت أنَّ بعض هذه الآلات يصنع في موقع الحصار لأن الموحدين كان يصحبون الصناع والفعلة في تحركاتهم. 

  • الاستراتيجية العسكرية للجيش الموحدي: 

كان ملوك الموحدين يقودون الجيوش في الحملات العسكرية بأنفسهم، ويشكلون مجلساً حربياً استشارياً، مكوناً من أمراء الدولة واركان الجيش، ورؤساء القبائل المشاركة في الجيش، ويتداول اعضاؤه من حول الشؤون العسكرية الرئيسية خصوصا اقرار السلم أو الحرب،  وحافظ الموحدون على خطة النظام القبلي فكان لكل مجموعة قبلية قائدها الخاص، والجميع يعملون في اطار الجيش كوحدة.

واعتمد الموحدون في حروبهم على رفع الروح المعنوية للجنود، وتذكية روح الجهاد لديهم، فكانوا في مواجهتهم للمرابطين، يلجؤون إلى مذهب ابن تومرت وأقواله في المرابطين، من أجل شحذ همم الموحّدين، واستخدم عبد المؤمن بن علي الشعر في مخاطبة العرب الهلاليين من أجل مشاركتهم في القتال، لعلمه أنه سيحرك فيهم نخوة العرب وشهامتهم، وعند مواجهتهم للنصارى يوظفون العلماء والدعاة، فقد ذكر صاحب المعجب، أنَّ  أمير المؤمنين أبا يعقوب بن عبد المؤمن بن علي، لما تجهز «"...  إلى غزو الروم أمر العلماء ان يجمعوا أحاديث في الجهاد تملى على الموحدين ليدرسوها-وهكذا جرت عادتهم إلى اليوم- فجمع العلماء ذلك وجاءوا به إليه فكان يمليه على الناس بنفسه..."».

ولم يكتف الموحدون بالجانب المعنوي فقط، فقد أولوا اهتمامًا بالغًا بتوفير المؤن للجيش، وتجهيزه بالسلاح، كما اعتنوا بالتحضير الجيد للمعارك قبل خوضها، عن طريق تسهيل تنقل الجيش بتمهيد المسالك و حفر الآبار، واستخدام العيون والجواسيس، من أجل تأمين الطريق ومعرفة أحوال العدو، واعتمدوا أحياناً على المباغتة، والتحركات السرية للجيش، واتباع طرق غير معهودة في السّير ، كما طبقوا الكثير من الحيل الحربيّة،  مثل نصب الكمائن، وتصنع الهزيمة والفرار، من أجل استدراج العدو.

ومن الخطط الحربية الشهيرة التي انتهجها الجيش الموحدي، ما قام به عبد المؤمن بن علي في مواجهته للأمير تاشفين بن علي المرابطي، سنة 539هـ/1145م، في السهل الواقع بين تلمسان ووهران، والمسمى بــ:"منداس"، حيث لجأ إلى خطةٍ حربيةٍ جديدةٍ مبتكرةٍ، عندما شعر بتفوق خصمه عددياً، وهذه الخطة هي خطة المربع الموحدي، التي نقلها لنا صاحب الحلل الموشية، كما رواها له أحد المشاركين فيها حيث قال: «"... فصنعنا دارةً مُربعةً في البسيط جعلنا فيها من جهاتها الأربع صفاً من الرجال بأيديهم القنا الطوال، والطوارق المانعة، وورائهم أصحاب الدَّرَق والحراب صفاً ثانياً من ورائهم، ووراءهم أصحاب المخالي فيها الحجارة، ووراءهم الرُّماة بقوس الرجل، وفي وسط المربعة الخيل، فكانت خيل المرابطين إذا دُفعت إليهم لا تجد إلا الرِّماح الطِّوال الشَّارعة، والحِراب والحِجارة والسِّهام النَّاشِرة، فحينما تُولي من الدفع وتُدْبر، تخرج خيل الموحدين من طرُقٍ تركوها، وفُرجٍ أعدُّوها فتُصيب من أصابت، فإذا كَرَّت عليهم دخلوا في غاب الْقَنا، وكان هذا اليوم يعرف بيوم منداس، فُقد فيه من جيوش المرابطين ما لا يُحصى، وفي ذلك اليوم ظهر أمر عبد المؤمن"»، ويبدو أن هذه الخطة كانت ناجعةً جداً خاصة في الأراضي المنبسطة المكشوفة، 

الصورة حصن موحدي في الأندلس:

  • أشهر قادة جيش الموحدين

أ/عبد المومن بن علي الكومي

 حكم أربعًا وثلاثين بين سنتي (524-558هـ) (1130- 1163م)، ويعتبر المؤسس الفعلي لدولة الموحدين، ورث دعوة ابن تومرت فنجح في تأسيس واحدةٍ من أكبر الدول في تاريخ الإسلام، وعبد المؤمن جزائري من مدينة ندرومة القريبة من تلمسان، وهو بربري من قبيلة كومية الزناتية كما سبقت الإشارة إلى ذلك، جمع بين السلطتين السياسية والعسكرية، فهو أمير المؤمنين والقائد الأعلى للجيش، 

ظهرت براعته العسكرية في مواجهة المرابطين خاصة معركته ضد تاشفين بن علي، و التي استعمل فيها خطة المربع الموحدي، وفي معركة سطيف سنة 547هـ/1146م، حيث تمكن من هزيمة العرب البدو وكسر شوكتهم، ومن أكبر إنجازاته العسكرية، سنة 555ه/1160م،  تحرير إفريقية من الفرنج النورمان حكام صقلية، وطردهم من المهدية آخر معاقلهم فيها واستعادها ، بعد أن بقيت رهينة بأيديهم اثنتي عشرة سنة توفي عبد المؤمن بمدينة "سلا"، في (10من جمادى الآخرة سنة 558هـ/16ماي1162م) ودفن في “تينملل” بجوار قبر المهدي

عبد المومن بن علي الكومي


الصورة معركة الأرك جنود مسلمون يحاصرون فرساناً مسيحيين 


3/الدولة الزيانية:

أ/تعريف الدولة الزيانية : (1235-1554م):

تأسست هذه الدولة على يد قبيلة بني عبد الواد، الزناتية البربرية، التي كانت تستقر بالمغرب الأوسط، ودخلت في خدمة الدولة الموحدية، وبعد سقوط هذه الأخيرة، استقل يغمرا سـن بن زيـان بن ثـابت بن محـمد سنة 633هـ/1235م، عن حكم الموحدين وأعلن قيام دولته، سيطرت هذه الدولة على إقليم المغرب الأوسط(الجزائر الحالية)، ودانت لها قبائل العربية والبربرية، وأخضعت مازونة وتنس والونشريس والمدية ومواطن مغراوة وتوجين، وسهل المتيجة، والجزائر وبجاية، واتخذت من مدينة تلمسان عاصمة لها، لكن حدودها لم تكن ثابتةً، لأنها كانت في صراعٍ مستمرٍ مع جيرانها الحفصيين في الشرق، والمرينيين في الغرب، وكانت الحرب بينها وبينهما سجالاً، مما جعلها تمر في بعض المراحل بظروفٍ صعبةٍ، جعلتها تنكمش لتنحصر في تلمسان فقط، بينما امتدت في فترات قوتها من بجاية شرقاً، إلى نهر ملوية غرباً، وامتدت جنوبًا حدود الصحراء الكبرى .

تعاقب على حكم الدولة الزيانية، حوالي ثمانية وعشرين حاكماً، اتخذوا ألقاباً مثل الخليفة والسلطان، ولقب أمير المسلمين، وأمير المؤمنين. اتخذ بنو زيان الوزراء والحجاب شأنهم في ذلك شأن الدول المعاصرة لهم،  وأشهر حكام الزيانيين،  السلطان المؤسس أبو يحيى يغمراسن بن زيان تولى الحكم سنة (633ه)، وقد ازدهرت في عهده الدولة وعرفت نهضةً عمرانيةً وفكريةً، ثم خلفه ابنه السلطان أبو سعيد عثمان بن يغمراسن تولى الحكم سنة (671ه)، ومن أكابر سلاطينها أبو حمو موسى الأول بن عثمان تولى الحكم سنة (707ه) والسلطان أبو تاشفين عبد الرحمن الأول بن موسى تولى الحكم سنة (718ه)، ويعتبر  السلطان أبو حمو موسى الثاني بن يوسف تولى الحكم سنة (760ه)، مجدد هذه الدولة وباعثها، حيث نجح في إعادة الدولة الزيانية إلى أيام مجدها، وآخر حكام هذه الدولة هو الحسن بن أبي محمد عبد الله( 1550-1554).

مع مطلع القرن السادس عشر كانت الدولة الزيانية قد دخلت في مرحلة الضعف والانهيار، حيث احتل الإسبان معظم سواحل المغرب الأوسط، المرسى الكبير 1505م، واحتلوا وهران عام 1509 م، وبجاية عام 1510م، ومستغانم عام 1511، ودلس وهنين عام 1531، وأصبح الحكام الزيانيون محصورون داخل أسوار تلمسان، لا تجاوز سلطتهم أسوارها، وكان السعديون في المغرب الأقصى يعملون على توسيع حدودهم شرقا على حساب الدولة الزيانية المتهالكة،  تزامن هذا مع ظهور قوة إسلامية جديدة وهي العثمانيون، الذين استطاعوا تحرير الشواطئ الشرقية للجزائر، وبدأوا يتوجهون غرباً صوب مدينة وهران لتحريرها، ودب خلاف شديد بين سلطان تلمسان أبي حمو الثالت الزياني، وأخيه أبي زيان، فاستنجد أنصار هذا الأخير بالعثمانيين، بينما استنجد أبو حمو بالإسبان، وطال الصراع بين الفريقين، ودخل السعديون على خط الصراع فحاصروا تلمسان، فأصبح بقاء الدولة الزيانية في صالح التوسع الأسباني، فقرر البايلرباي صالح رايس عام 1554 م عزل آخر حكام هذه الدولة هو الحسن بن أبي محمد عبد الله وألحق تلمسان بالجزائر وكان ذلك نهاية للدولة الزيانية.

خريطة: الدولة الزيانية في أقصى اتساع لها

ب/ الجيش الزياني:

شكل الجيش في الدولة الزيانية أهمية كبرى، فهذه الدولة منذ نشأتها كانت محاطة بالحفصين من الشرق والمرينيين من الغرب، وكانت كل دولة منهما تنازع الدولة الزيانية سلطتها وتريد التوسع على حسابها، وكان الزيانيون مجبرون على خوض حروب لا تنتهي مع جيرانهم، مما حتم عليهم الاهتمام بالجيش، والسهر على تطويره وتجهيزه، ويعتبر يغمراسن بن زيان مؤسس الجيش الزياني وقائده الأول، فهو كما قال عبد الرحمن بن خلدون أول من «" ... اتخذ الآلة ورتب الجنود والمسالح واستلحق العساكر من الروم والغز رامحةً وناشبةً».

مرت الدولة الزيانية بظروف صعبة ومراحل كادت تفقد فيها سلطتها على كل أرضها، لكنها كانت في كل مرة تعاود النهوض بفضل عودة جيشها إلى سابق قوته، ورغم أن الدول التي واجهتها الدولة الزيانية كانت أقوى منها إلا أنها استطاعت الصمود والمقاومة، وأثبت جيشها أنه لم يكن لقمة سائغة، وقد أشار عبد الرحمن بن خلدون إلى ذلك عندما تحدث عن الحرب بين يغمراسن بن زيان والسلطان أبي يحيى بن عبد الحق المريني، حيث يقول: «"... وكان الغلب أكثر ما يكون لأبي يحيى عبد الحق لوفور قبيله، الا أنَّ يغمراسن كان يتصدى لمقاومته في سائر وقائعه"»، وعذا اعتراف من صاحب كتاب العبر بشجاعة يغمراسن وثباته رغم عدم تكافؤ قوته مع المرينيين.

وعمل الزيانيون على زيادة عدد قواتهم باستمرار، من أجل مجاراة كثرة جيوش خصومهم، حتى استطاع أبو حمو موسى الثاني-حسبما ذكر يحيى بن خلدون- أن يجمع في يوم واحدٍ، من العرب بني عامر وبني معقل زهاء ثمانية آلاف فارس، ومن قبيلته ألف فارس، ودفع إلى كل واحد منهم كسوة وفرسا مسرجًا وملجماً، ومهمازاً،  وسيفا ورمحاً وطعاماً 

لم تذكر المصادر تفاصيل كثيرة عن الجيش الزياني، ربما لأنه كان مشابهاً في تسليحه وتنظيمه، للجيوش التي سبقته كجيش الموحدين، أو لتلك التي عاصرته، مثل جيشي المرينيين والحفصيين، يفيدنا أبو حمو موسى الثاني أن الجيش ينقسم إلى أربعة أصناف يتألف أولهم من رؤساء القبائل ووجوه العشائر، وهو لم يذكر أسماء هذه القبائل، لكن الراجح أنهم قبائل بني عبد الواد الزناتية، ويكون هؤلاء مقربين من السلطان، ليعرف من خلاللهم أحوال قبائلهم، ويضمن بتقريبهم ولاء قبائلهم، ومن المحتمل أنهم كانوا يشكلون مجلسا حربيا استشارياً، أما ثانيهم فأسماه القبيل، أي قبيل الملك، يقول أبو حمو:«"...القسم الثاني من الجيش القبيل، أعني قبيل الملك، ، لكن هذا الوصف لهذا القسم من الجيش لا يكشف عن وظيفته، ولا سلاحه، ولا دوره في المعارك، أما القسم الثالث فهو : أنصار الملك وحماته، وهذا الجزء من الجيش قَسَّمه أبو حمو إلى أربعة أقسامٍ، ميمنةٌ، وميسرةٌ، ومقدمةٌ، وساقةٌ، ويدل هذا التقسيم، أن أنصار الملك وحماته يمثلون قوة الجيش الضاربة، أما القسم الرابع فهو : مماليك الملك ويضم الأعلاج والنصارى والأغزاز ، والوصفان، ويبدو أنّ هذا القسم من الجيش مكون من العبيد والمرتزقة، وهو قسم مهم لكنه لم يكن محل ثقة حكام الدولة الزيانية فقد نصح أبو حمو أن يكون عددهم بعدد أنصار الملك وحماته، ليستطيعوا قمعهم إذا تمردوا، كما ألح على ألا يفارقوا مراقبة الملك طرفة عين.



       الصورة رجل من تلمسان 

ج/التركيبة البشرية لجيش الزيانيين:

لم يخرج الجيش الزياني عن القاعدة التي اتبعتها الجيوش المرابطية والموحدية قبله، فقد ضم في وحداته عناصر متنوعة من عرب وبربر وسودان، ومسيحين وغيرهم، وقد أشار إلى ذلك  ابن خلدون عندما تحدث عن المؤسس يغمراسن بن زيان: «"...وأحسن السيرة في الرعية واستمال عشيرته وقومه واحلافهم من زغبة بحسن السياسة والاصطناع وكرم الجوار واتخذ الآلة ورتب الجنود والمسالح واستلحق العساكر من الروم والغز وناشئه وفرض العطاء واتخذ الوزراء والكتاب وبعث في الاعمال ولبس شارة الملك والسلطان""».

أولا/ الجنود البربر: العناصر المحليةقامت الدولة الزيانية على أكتاف بني عبد الواد، ولعبت العصبية القبلية دورا مهما في تأسيسها اعتمدت الدولة الزيانية على قبائل زناتة أكثر من غيرهم مثل : بني توجين، وبني راشد، وبني زردال،  وقد شكل هؤلاء عصب الدولة، وكان منهم أهم القادة السياسيون والعسكريون، ويعرف قادة هذه القبائل وزعماؤها بالأشياخ، يعاملهم سلاطين الدولة الزيانيةً معاملة خاصةً.

ثانياً/ العرب:شكل العرب البدو عنصرا مهماً في الجيش الزياني رغم صعوبة انقيادهم، ويرجع هذا إلى  استقرار كثير من قبائلهم في المغرب الأوسط، ويعتبر السلطان المؤسس السلطان يغمراسن بن زيان، أول من استخدم العرب عندما، استقدم قبيلة بني عامر بن زغبة وأقطعهم أراضي قرب تلمسان لصد أعراب المعقل، ويدل هذا التصرف الحكيم على أن الدولة الزيانية كانت تستخدم بعض القبائل العربية في إخضاع قبائل أخرى، كما استخدمتهم في حروبها الخارجية، مقابل الحظوة والنفوذ والمال ومنح الأراضي، وكانت المنح والعطايا للعرب تزيد خاصة في فترة ضعف الدولة من أجل إسكات العرب، وكان أكثر الجند العربي في الجيش الزياني من الفرسان الأشداء، البارعين في القتال على ظهور الخيل، لسرعة حركتهم في الكر والفرّ، وزاد نفوذ العرب في الجيش الزياني في عهد أبي حمو موسى الثاني، حيث ساعده بنو هلال في حربه ضد السلطان المريني أبي عنان بن السلطان أبي الحسن بن عبد الحق المريني، سنة 760هـ/ 1359م، وأعانوه على دخول تلمسان واستعادتها من أيدي المرينيين، وبعث الدولة من جديد، 

ثالثاً: النصارى المعاهدون:كثر الاعتماد على الجنود المسيحيين في الجيش أواخر الدولة الموحدية، وغالبيتهم من الفرسان وقد ورثت الدولة الزيانية هذه التركة عنها، وقد ذكرهم أبو حمو موسى الثاني في كتابه واسطة السلوك، ضمن القسم الرابع، الذي أسماه مماليك الملك، وأسماهم الأعلاج والنصارى، مما يوحي أن منهم مسيحيون ومنهم غير ذلك، وأول من جنّد النصارى من الزيانيين هو يغمراسن بن زيان، ، حيث اعتمد على فرقة عسكرية مؤلفةٍ من ألفي مسيحي، كانت موجودة في الجيش منذ عهد الموحدين، سماهم يحيى بن خلدون في بغية الرواد بـــ:"روم الموحدين"،  وكان قائدها يسمى "أخو الكونت"، وتتكون هذه الفرقة من الفرسان والرماة الذين يستعملون  قوس الرجل، وهو قوس يُطلق بإحدى رجلي الرامي أو بالإثنين معاً، أو القوس القَدَمي أو الإفرنجي، وهو قوسٌ أنبوبيٌ يُطلق بالرِّجل مع اليد.

ونصح السلطان أبو حمو موسى ابنه تاشفين في حديثه عن طبقات الجند، بضرورة الاعتماد عليهم، حيث قال عن الطبقة الرابعة: «"وهم أجناد السلطان ويتألفون من الأعلاج والنصارى والأغزاز والوصفان"»، وقد أوصى أبو حمو موسى الثاني في كتابه واسطة السلوك ابنه بأن يُسكنهم ببلد حضرته و"ألا يفارقوه طرفة عين"، مما يُوحي بأنَّه لم يكن يثق فيهم كل الثقة، وأن التجربة السيئة التي عاشهما معهم جده يغمراسن مازالت عالقةً بذهنه.

رابعاً: العبيد السودان:حافظت الدولة الزيانية على استغلال العبيد من الزنوج في الجيش، وقد سهل موقعها واتصالها جنوبا بأهم الطرق التجارية مع بلاد السودان، الحصول على المزيد من العبيد، وقد عرفوا أيضاً باسم: "الوصفان"، اتخذ منهم السلاطين الزيانيون حرساً خاصا، كما شكلوا منهم فرقا عسكرية في الجيش الزياني، وقد ذكرهم أبو حمو موسى الثاني في كتابه واسطة السلوك، ضمن القسم الرابع، الذي أسماه مماليك الملك، وأسماهم بـ" الوصفان"، وذكر أنهم يجب أن يكونوا خلف الملك إذا سار، ويعين عليهم قائدا منهم، ولهم علمٌ يمتازون به عن غيرهم.

خامساً الأغزاز: سبق التعريف بالغز أو الأغزاز في الحديث عن جيش الموحدين، فهم مقاتلون من أصول تركيةٍ، استعان بهم الموحدون في حروبهم، وشكلوا فرقة عسكرية في جيشهم، وجند الزيانيون عناصر منهم، كما قال عبد الرحمن بن خلدون أن يغمراسن بم زيان استلحق العساكر من «" ... الروم والغز رامحةً وناشبةً»، ممّا يدل على أنّ أكثرهم  عندما ألحقهم يغمراسن بالجيش كانوا من رماة الرماح والنبال، ومن أشهر هؤلاء القائد علي بن حسن، ثم ابنه موسى بن علي الذي كان من أكبر قادة الجيش الزياني، في عهد السلطان أبي حمو الأول وابنه السلطان أبي تاشفين، 

د/ تشكيلات جيش الزياني وأسلحته

اتبع الجيش الزياني في تقسيم تشكيلاته على نفس التقسيم الذي اعتمده المرابطون والموحدون قبلهم، حيث كان الجيش الزياني يتشكل من الفرسان، والجنود المشاة، ويضم في صفوفه فرقة الطبالين لما لها من دورٍ مهم في تنظيم الجيش وبث الرعب في قلوب الأعداء، ويعتمد على الجواسيس والأعين، ومستكشفي الطرق المعروفين بالطلائع، لكن المصادر لم تتوقف كثيراً عند القوة البحرية الزيانية، وهذا لا ينفي وجود جيش بحري زياني، خاصة وأن هذه الدولة كانت تسيطر على معظم الموانئ المهمة للمغرب الأوسط، مثل :ميناء بجاية، ودلس، والجزائر، وشرشال، ووهران، لكن غياب المعلومات عنها في المصادر ربما يعود إلى عدم اهتمام الزيانيين بخوض معارك بحرية كبرى، وتركيزهم على المعرك البرية مع خصومهم من  الحفصيين والمرينيين.

أولا الفرسان:اعتمد الجيش الزياني على سلاح الفرسان الذي يمثل أهم فرق الجيش لفعاليته في الحروب وقدرته على حسم المعارك، وساعدت وفرة الخيول ببالمغرب الأوسط على وكذلك بادية مدينة بونة التي قال عنها ابن حوقل: "قلَّ بها من تفوته الخيل السّائمة للنتاج"  ومدينة المسيلة  التي يذكر الإدريسي والحميري أنَّ لأهلها سوائم خيلٍ  ومنها أيضاً جبل بني راشد، بجبال ونشريش، الذي يذكر ابن سعيد أنَّ لأهله في الخيل نتاجاً معروفاً، وكان فرسانه من البربر من زناتة وغيرها، ومن العرب الذين اشتهروا بفروسيتهم، كما ضم الجيش الزياني فرسانا من النصارى خاصة في آخر الدولة، حيث أصبح الفرسان الإسبان يشكلون نسبة معتبرة من الجيش، كما أن بعض العبيد كانوا من الفرسان الذين يعول عليهم السلطان، وكان بعض المقاتلين في الجيش الزياني يركبون الإبل.

ثانياً/الجنود المشاة:ضم الجيش الزياني في صفوفه فرقا من المشاة وكان معظمهم من الأغزاز و الروم والعبيد، وأكثر المشاة من الرماة المسلحين بالرماح الطويلة، والقسي، والأقواس والنبال، ودورهم حاسم في المعارك  

ثالثاً/ الطلائع والعيون والجواسيس:عاشت الدولة الزيانية أوقاتاً عصيبةً وخاضت الكثير من الحروب، مما حتم عليها الاعتماد، على الجواسيس الذين كانوا يتتبعون أخبار المرينيين في المغرب الأقصى، والحفصيين في الشرق، وسبقت الإشارة إلى أنَّ السلطان عثمان بن يغمراسن، زرع جاريةً روميةً في البلاط المريني، كانت تراسله وتبعث له بأخبار بني مرين، كما إعتمد الجيش في تحركاته على الطلائع التي تتقصى أخبار العدو وتستكشف الأرض، حتى لا يصطدم الجيش بمفاجأةٍ غير سارة. 

المنشآت العسكرية الزيانية:

اهتم الزيانيون بتعزيز دفاعاتهم العسكرية عن طريق تحصين مدنهم وخاصةً العاصمة تلمسان، وذلك ببناء الأسوار وتقويتها، حيث أمر السلطان يغمراسن بن زيان بالحرص على تحصينها وتقوية أسوارها، كما زادوا على ذلك بحفر الخناذق، يقول يحيى بن خلدون في بغية الرواد عن السلطان أبي حمو بن أبي سعيد بن يغمراسن:"... فسدَّد الأهوار ، وشيد الأسوار، وأقعر الخنادق..."، كما شيدوا الكثير من الحصون ، ولعل أهمها "تمززدكت"، الذي أمر ببنائه السلطان الزياني أبو تاشفين عند حصاره لبجاية سنة ال720 ه/ 1320م، (يبعد حوالي 25 كلم عن بجاية يقع بالتحديد في بلدية القصر)



                             الصور أطلال تمززدكت الزياني 


ه/أشهر قادة جيش الزيانيين:

يغمراسن بن زيان  ( 1206 - 1283م)هـو يغمرا سـن بن زيـان بن ثـابت بن محـمد، ولـد حـوالي 603 ھ/1206م، و تـولى حكـم إقـليم تلـمسان فـي عهـد الخليـفة الموحـدي عـبد الواحـد الـرّشيد بن المـأمون الـذي كتـب لـه بالـعهد علـى ولايـة المغـرب الأوسـط و عاصمته تلمسان، و كان ذلك بداية ملكه.دام حكمه وسلطانه حوالي 48سنة توفي آخر ذي القعدة سنة 681هـ/1281م.

 

أبو حمو موسى الثاني:(760-791÷/1359-1389م) بن يوسف بن عبد الرحمن بن يحيي بن يغمراسن بن زيان، أبو حمو: مجدد الدولة الزيانية العبد الوادية) في تلمسان، وثالث ملوكها في دورها الثاني. ولد في غرناطة (بالاندلس) وكان أبوه مبعدا اليها منذ سنة 718هـ (1318م). وانتقل الى تلمسان، في سنة ولادته، مع أبيه، فنشأ بها ودرس على أشهر علمائها استطاع جمع جيش من القبائل العربية تمكن بفضله من استعادة تلمسان من سلطة بني مرين بعد  أن سيطروا عليها سبع سنوات، مستغلا وفاة السلطان أبي عنان المريني، ونجح في استعادة عاصمة آيائه وأجداده سنة 760ه/1359م . كان من الإجراءات الكبرى لجيش المغرب الأوسط " الجزائر"  المتمثل بالأساس في الرستمي والحمادي والزياني، مايلي:

  1. أن لا يخرج كله الى ميادين الحرب، يقسم إلى جزئين الأول يكون للمواجهة المباشرة، في حين يبقى الثاني في المدينة للحفاظ على القواعد الخلفية سليمة وبعيدة عن الأخطار، وهو ما نلاحظه لدى الرستميين حينما خرج الأمير  عبدالوهاب لمجابهة ثورة ابن فندين تاركا  وراءه ابنه أفلح مستخدما أسلوب النفير العام.
  2. أن المواجهات الكبرى لم تكن على شكل حرب عصابات، بل كانت بطريقة نظامية، وهو ما نلاحظة في أعمال الحماديين ضد خصومهم في بونة وقسنطينة على سبيل المثال.  مثلما يبرز من خلال تنظيمي الجيش "نظام الكراديس، ونظام التخميس".
  3. يظهر البعد العسكري والتحضير للمواجهات من خلا ل تشييد مراكز المراقبة وتحصينات المدن ببناء الأسوار والقلاع  المجهزة بالأبراج  والعناية بالماء وتمريره، وحفر الخنادق حول المدن. وهو ما كان من اهتمامات الحماديين  والزيانيين.
  4. مواجهة الخصوم تلو الآخر أي كل بمفرده، والقضاء على التمردات قبل مواجهة العدو الخارجي، فتأمين الجبهة الداخلية أولى.
  5. اعمال أسلوبي الحصار واطلاق السّرايا في كل المواجهات التي تستهدف العدو في مدنه، أي عزل العدو عن الامداد خارجي، ويمكن أن يطول الحصار ليشتد الخناق فيكون الاستسلام، ويوازي هذا عمل آخر وهو ارسال السرايا على النواحي لإخضاعها، وقد استعمل هذا الأسلوب في حصار باغايا 408ه/1017م، والمنصور في حصاره لبونة حيث دام 7 أشهر، وفي حصار بني حماد لتلمسان والمرابطين عام 496ه/1103م، والأمثلة كثيرة. يتزامن هذا بإطلاق السرايا والغارات على المناطق المجاورة لجلب الغنائم وبذلك استنزاف العدو.
  6. وكان من أكبر الاعمال الاستراتيجية التي والإجراءات الحاسمة في تأمين المناطق وحماية المنجز أمران:

أولهما: تعمير المناطق المفتوحة بالسكان، على شاكلة عمل الأغالبة الذين نقلوا عددا من السكان إلى مالطة بقصد تحقيق الامتزاج والاختلاط، ونشر الثقافة والتعاليم الإسلامية، وبناء مجتمع إسلامي في المناطق المفتوحة.

ثانيهما: السيطرة على مداخل البحار الضيقة بتشييد قواعد بحرية ، فبالاستيلاء على الجزيرة كريت اغلق مدخل بحرإيجة، وبالاستيلاء على صقلية سدت مداخل اوربا من جهة إيطاليا، وبالاستيلاء على جزر البليار تمت السيطرة على المداخل الغربية لأوربا، وهكذا انتهت هذه الإجراءات إلى السيطرة على البحر المتوسط كليا، وأبعد الخطر الأوربي على بلاد المغرب طيلة قرون. 


تطور الجيش الجزائري في العصر الحديث  (1516-1830)

1- مؤسسة الجيش الجزائري

               قبل إلتحاق الجزائر الى الدولة العثمانية سنة 1518، تعرضــــت أغلب مدنها الساحلـــية إلى الاحتلال الاسباني، فبين سنتي 1505 م و 1513 م دخل تحت السيطرة الاسبانية كل من المرسى الكبير ووهران وبجاية وتلمسان وخضعت مدينة الجزائر إلى حصار بحري بعد احتلال مينائها وبناء حصن مكانه سمي بالبنيون. لم يكن في الجزائر خلال تلك الفترة أي قوة بوسعها التصدي للإسبان أو إيقافهم،بسبب الصراعات المريرة بين أمراء الامارات المتناحرة، إلى أن ظهر في المنطقة الاخوين عروج وخير الدين بربروس اللذان ذاع صيتهما في غرب البحر الابيض المتوسط، فأصبحا مطلوبين من طرف أعيان وأهالي مدينة الجزائر الذين عينوا في سنة 1516 عروج أميرا على البلاد، لكن هذا الأخير فقد حياته في ماي 1518 في منطقة تسمى واد المالح قرب الحدود الجزائرية المغربية إثر معركة نشبت بينه وبين جنود الاسبان فحل مكانه أخوه خير الدين الذي بدأ بإرساء نظام جديد في الجــــــزائر بدعم من الســــلطان العثماني سليم الأول الذي قدم له كل المعونات المادية والبشرية لبناء جيش جديد في المنطقة ، فكان  من أولوياته الكبرى تنظيم هذا الجيش وتجهيزه عن طريق اقامة قاعدة لصناعة عسكرية وطنية تعتمد على صناعة وتركيب السفن الحربية  وصناعة الاسلحة والمدافع وكل لوازم المقاتل في الحرب.

   ساهم الجيش الجزائري  منذ بداية انشائه في هذه الفترة  في إرساء  دعائم الوحدة الوطنية بالمفهوم السائد انذاك فقد كان يضم في صفوفه كل فئات المجتمع من العثمانيين القادمين من الباب العالي الى الأعلاج الذين ارتدوا عن المسيحية ودخلوا الاسلام الى الاندلسيين  الذين فروا من جحيم  الاسبان الى المحليين الذين كانت تمثلهم كل من قبائل الزواوة وبني عباس وبني ميزاب وبني جلاب وقبائل المخزن خاصة في عهد كل من خير الدين بربروس  وحسن باشا وصالح رايس، هذا الأخير كان يطلق عليه إسم أب الوحدة الوطنية لأنه تمكن من ضم وتوحيد كل الامارات التي كانت هنا وهناك منها امارة بني جلاب بتوقرت والامارة الحفصية بقسنطينة وامارة بني عباس وإمارة كوكو وإمارة الزيانين بتلمسان وكل الامارت التي كانت متناحرة بينها ،

   كانت اسهامات مؤسسة الجيش كبيرة  داخل الوطن وخارجها  ، فقد تمكنت من تحرير أغلب المدن الساحلية التي وقعت في يد الاسبان  كبجاية  وهنين ومستغانم ووهران والمرسى الكبير  ووضع حدا للتهور والأطماع  ، كما تمكنت من وضع حد لبعض التمردات الداخلية هنا وهناك،  و شاركت  أيضا مع الاسطول العثماني في الكثير من معاركه البحرية ضد الأوروبيين نذكر من بينها معركة ليبانت سنة 1571 ومعركة نفارين سنة 1827 ، مما أكسبها مكانة هامة داخليا وخارجيا . 

2- تسليح الجيش  والصناعة الحربية 

                كان تسليح الجندي في الجيش الجزائري خلال الفترة العثمانية يتم حسب الفرقة التي ينتمي إليها، ففي الفرق الانكشارية يتم تجهيزه مباشرة بعد وصوله من الباب العالي، حيث تسلم له بذلة عادية وبندقية وسيف ونصيب من البارود وقطعة من الرصاص بدون إذابة ولا تقطيع ، كما يتم اختيار مكان إقامته العسكرية في إحدى الثكنات القريبة من مدينة الجزائر والتي كان عددها ثمانية، أو في إحدى الحاميات أو النوبات المنتشرة عبر البايلكات الثلاث، كما كان الجندي في فرقة السباهية يرتدي زي الفارس ويزود بسيف وبندقية وحصان عربي أو بربري بكامل تجهيزاته كانت توفره القبائل الموالية للسلطة العثمانية. أما جنود فرقة الطوبجية (أو المدفعية) فقد كانوا يزودون بمدافع وذخائر ويرتدون ألبسة وأغطية رأس مختلفة  عن باقي الفرق الأخرى ويحملون رايات  ترمز إلى سلاح المدفعية

              لقد كانت طائفة رياس البحرية تزود عند خروجها إلى البحر بكامل العدة والتجهيزات الضرورية، فبالإضافة إلى الزي البسيط الذي كان يرتديه جنودها ، كانوا يوفرون لأنفسهم الخبز والزيت وباقي المواد الغذائية ويحملون معهم بندقية وسيف وخنجرين ومسدسين  وبارود ومدافع في غالب الأحيان قليلة، الغرض منها تخفيف وزن السفينة.

استعان الجيش النظامي في الجزائر بالكثير من القبائل الموالية كالزواوة وبني عباس وبني مزاب وبني جلاب  والمخزن ، هؤلاء كانوا يعتمدون في تجهيز فرقهم على ما ينتجونه، فقد كان الجندي يرتدي زي بسيط حسب المنطقة التي ينتمي إليها، ويزود ببندقية وسيف وخنجر طويل . 

        يعود الفضل في الجاهزية القتالية والمادية للجيش الجزائري الى  ازدهار الصناعة الحربية المحلية التي ساهمت في تحقيق الاكتفاء الوطني في صناعة السلاح والمعدات الحربية الاخرى  التي كانت تعتمد على المواد الاولية المتوفرة في العديد من مناطق البلاد و المهارات الفنية الحرفية وهذا بفضل العناصر الوافدة من الاندلس وبعض الأسرى الأوروبيين والحرفيين المحليين. لقد كانت مساهمة القبائل المحلية كبيرة في تموين الجيش الجزائري بالدواب والمواد الغذائية الضرورية   

سيف محلي من نوع افليسن البحر يمتاز بجمال زخارفه

ودقة تزينه من القرن التاسع عشر بمنطقة الزواوة

 

مسدس جزائري مركب من الفضة ومرصع

بالمرجان ذي اللون القرنفلي 

متحف طارق رجب بالكويت

.

3- تشكيلات الجيش الجزائري ومهامه.

I- الجيش النظامي البري

  1.  الفرقة الانكشارية : يرجع تأسيس الفرقة الانكشارية في الجزائر إلى  سنة 926 هـ/1520 م ، حين أرسل السلطان العثماني سليم الأول (1512 م- 1520 م) ألفين من جنود الانكشارية ،وأتبعهم بأربعة آلاف من المتطوعين جاؤوا لتدعيم القوات العسكرية الأولى مع إعطائهم الامتيازات والحقوق المادية التي يحظى بها الجيش الانكشاري في إسطنبول ونظرا لحاجة الباب العالي إلى جنود أعطيت لإيالة الجزائر حرية تنظيم عمليات تجنيد المسلمين بين عوام الأقاليم القريبة من الأناضول لتلبية حاجتها من الجنود، في هذا الإطار تم الاعتماد على نظام الدوشرمة لتزويدها بالعناصر الشابة.لقد كانت أصول هؤلاء الجنود تعود في أغلبها لأسر مسلمة، حيث كانوا في حاجة إلى بعض التدريبات على استعمال السلاح وحفظ قوانين النظام، كان المتطوعون الذين يصلون إلى مدينة الجزائر يسجلون في سجل الجند الذي يطلق عليه "دفتر يكيجري" وذلك بكتابة إسم الجندي المتطوع مرفوقا باسم والده واسم البلدة التي قدم منها مع ذكر مهنته وكذلك جميع المعلومات التي تتعلق بوضعه العسكري، وكان هؤلاء الجنود موزعين على وحدات عسكرية يطلق عليها اسم أورته، تعطى لها أرقاما تسلسلية من واحد إلى أربعمائة وعشرين، وهو عدد الوحدات التي تتكون منها الفرق 
  2. الانكشارية في الجزائر، كان الانخراط في صفوف الفرق الانكشارية ينحصر على القادمين من الأقاليم التركية فقط، أما السكان المحليون بمن في ذلك أبناء الأتراك من أمهات جزائريات "الكراغلة" فلم يكن يسمح لهم بالتجند في هذه الفرق

 جندي تركي من الجزائرعن كتاب نصر الدين براهامي. 

3. فرقة الطوبجيةأو المدفعية أدت فرقة المدفعية دورا بارزا في حسم العديد من المعارك التي خاضها الجيش الجزائري في البر و البحر، وقد اعتمدت الجزائر على هذه الفرقة في الدفاع عن سواحلها التي كانت معرضة باستمرار لهجمات الأساطيل الأوروبية،حيث توزعت على شكل وحدات في البروج البرانية والأسوار والحصون والقلاع والموانئ والمتاريس و الطبخانات.أما في السفن البحرية فقد كان الاعتماد عليهم على حسب نوع السفينة، فإذا كانت منخفضة وصغيرة فإنها لا تحتاج الى عدد كبير من المدافع ففي غالب الأحيان تزود هذه السفينة بمدفع أو مدفعين مثل الغليرة الجزائرية التي كانت صغيرة الحجم ومزودة بمدفع واحد متحرك، ولكن في البعض الآخر يصل عدد المدافع الى 55 مدفع كالفرقاطة ، كما تم الاعتماد على أفراد من فرقة الطوبجية في بعض السفرات التابعة لبعض النوبات الموجودة في البايلكات الثلاث    

زي قائد المدفعية عن كتاب نصر الدين براهامي

بالاضافة الى الفرسان الذين كانت توفرهم في اغلب الاحيان قبائل المخزن ، حيث يصل تعدادهم في كثير من المرات الى حوالي 15.000 فارس مجهزين بعدتهم وعتادهم. 


زي فارس من فرسان قبائل المخزن ممتطيا حصانه

(Musée d’Esperey )

De l’ Article « Les Origines des Premiere

Troupes de l’Armée d’Afrique) 

II- الجيش البحري الجزائري

          لم تكن البحرية الجزائرية أقل شأنا من الجيش البري، حيث ساهمت بقوة في الهيبة والسمعة التي بلغتها إيالة الجزائر في البحر الأبيض المتوسط، فمنذ إعادة إحيائها في عهد الأخوين عروج وخير الدين بربروس وهي تتطور وتكبر حتى وصلت أوج قوتها في نهاية القرن السادس عشر.

     لقد فرض الأسطول البحري الجزائري منطقه على كل الأســـــــــــــــــــاطيل البحرية الأوروبيـــــــــــــــــة و العالمية طيلة الفترة العثمانية، حيث دافع على سواحل الجزائر و ساهم في إنقاذ العديد من الأندلسيين المضطهدين في اسبانيا و شارك في العديد من الحروب البحرية للدفاع عن الدولةالعثمانية. كما قاد الجهاد البحري وساهم في حصول الدولة الجزائرية على مداخيل هامة دعمت ازدهار الجانب الاقتصادي. 

   لقد كان الأسطول البحري الجزائري دائما في المقدمة، يخوض المعارك تلوا الأخرى الأمر الذي أرعب أوربا،وهدد مصالحها التجارية و الاقتصادية على سواحل البحر المتوسط.

أسباب قوة البحرية الجزائرية: تعود قوة البحرية الجزائرية الى عدة اسباب أهمها 

1 - الموقع الجغرافي الممتاز، حيث كانت سواحل الجزائر مفتوحة على أوروبا مما جعلها مستهدفة من طرف الأساطيل الأوروبية.

2 - انضمام المهارات الفنية الاندلسية المتمرسة على الجهاد البحري و الأوروبية المرتدة عن المسيحية إلى الأسطول البحري مما ساهم في الحفاظ على فعالية السفن الحربية الجزائرية

3- الانتظام في تمويل العمليات الحربية، حيث أصبحت الطريقة الجزائرية في الجهاد البحري محل إعجاب كل الدول خاصة بعد اعتمادها على السفن الصغيرة والخفيفة والمستديرة.

4 –الخبرة الكبيرة التي إكتسبها البحارة الجزائريين بالاضافة الى حبهم للمغامرة.

5 - تميز البحارة الجزائريين بالانضباط التام، حيث كان يسود الاحترام المتبادل بين القادة والمرؤوسين .

 

     زي رايس (قبطان)- رسم الفنان وولفان

            عن كتاب نصر الدين براهامي .

 

III- القوات الرديفة للجيش

    أيقن حكام الجزائر منذ البداية أن التحكم في زمام أمور الإيالة المعروفة بشساعة مساحتها الترابية، يلزمه التحالف مع فرق محلية وهذا ما كان متوفرا في كل من فئة الكراغلة وفرقة الزواوة وقبائل المخزن بمختلف فروعها ، فقاموا بتنظيم هذه الفرق عسكريا وعززوا صلاحياتها ، كما منحوها العديد من  الامتيازات كالأراضي الخصبة والمناصب السامية خاصة فئة الكراغلة الذين تجاوزوا طموحاتهم وأصبحوا يسعون للوصول إلى سدة الحكم ، مما أثار مخاوف الحكام فيهم ودفعهم الامر  إلى استبعادهم من الانضمام إلى الجيش، لكن الظروف الصعبة التي كانت تمر بها الإيالة فرض عليهم ارجاعهم إلى صفوف الجيش مرة أخرى خاصة في المدن  الداخلية والمناطق الريفية، ومع مرور الوقت سمح للبعض منهم من تولي مناصب عليا في البايلكات كمنصب الباي. أمافرقة الزواوة  فقد عرف عنها ولائها التام للعثمانيين  وتحالفها الدائم  معهم بحكم علاقة المصاهرة التي ربطت حسن بن خير الدين مع زعيمهم في وقت سابق،بالاضافة الى مشاركتهم المستمرة الى جانب وحدات الفرقة الانكشارية في عمليات جمع الضرائب ، وفي صد بعض الانتفاضات هنا وهناك، و دورهم الكبير في تحرير العديد من المدن الساحلية الجزائرية كبجاية ووهران والمرسى الكبير وفي الدفاع عن الجزائر كل هذا الإرث التاريخي  سمح لهم من الحصول على الكثير من الامتيازات منها الأراضي الخصبة ، الاعفاء من الجبايات ، الحصول على راتب ...إلخ كما كان لهم الحق في الانظمام إلى فرق الجيش النظامي خاصة في عهد أخر دايات الجزائر حسين داي،حيث تم تسجيل2000 جندي منهم في سجلات الجيش النظامي  .نفس الحال ينطبق على فرق المخزن التي كانت القوة الضاربة للجيش زمن السلم والحرب بإعتبارهم يمتلكون التعداد الأكبر  من الافراد مجهزين بعدتهم وعتادهم،حيث يصل عددهم في بعض المرات الى ثلاثين ألف رجل .

 

تطور الجيش الجزائري  خلال مرحلة المقاومات الشعبية (1830م-1928)

1- مقاومة الأمير عبد القادر(1832-1847م)

 

   أولى الأمير عبد القادر أهمية قصوى لمؤسسة الجيش منذ البداية كما تجلى ذلك في الميدان، فاهتم بتنظيمه، وترتيب أقسامه وقياداته، وتحديد صلاحيات ومسؤوليات المعنيين ورتبهم "جيش احترافي". كما أقدم على إنشاء المصانع الحربية وتأمين إنتاج الأسلحة والذخيرة العسكرية بمختلف أنواعها. 

تنظيم جيش الامير عبد القادر:



الإستراتيجية العسكرية عند الأمير: نظام الدفاع والهجوم

 اهتدى الأمير عبد القادر إلى إقرار خطة عسكرية مُحكمة في مقاومته للاستعمار الفرنسي، واستفاد من التجارب التاريخية والخبرات العالمية، فبنى القلاع والحصون وشيّد الأسوار. لقد كان يعتمد أسلوب المواجهة المباشرة في معركة الحسم أحيانا، مثل مهاجمة الحصون والأرتال العسكرية، ومحاصرتها وتطويقها، ويلجأ أحيانا أخرى إلى الحرب الخاطفة والعمليات السريعة، وينفذ ذلك في اشتباكات يحدد زمانها ومكانها، ويحقق أهدافها إما على المدى القصير، وإما على المديين المتوسط والطويل. 

الانتصارات العسكرية الكبرى لجيش الأمير عبد القادر 

 حقق الأمير عبد القادر انتصارات عديدة في مسار مقاومته العسكرية مع الفرنسيين وأعوانهم على أرض الميدان، تمثل بعضها في نتائج مباشرة للنصر عقب المواجهات، وتجسد البعض الآخر في انتصار منتظر بالآثار المترتبة سياسيا واستراتجيا.  

1معركة خنق النطاح 1832م: 


جرت وقائعها الأساسية الكبرى قرب وهران في شهري ماي وجوان 1832م في عدة معارك. شارك الأمير في معركتها الأولى إلى جانب والده وأظهر فيها حماسا وبراعة في القتال، الأمر الذي جعل والده الشيخ محي الدين يُقدِم على تسليمه راية معركتها الثانية التي حقق فيها انتصارا باهرا، فتقهقر على إثره الفرنسيون إلى الوراء ومُنِيُوا بهزيمة نكراء وخسائر مادية وبشرية.

2معركة المقطع 28/06/1835م


           وهي من أشهر المعارك الضارية التي خاضها الأمير، انتصر فيها بشهادة الفرنسيين واعترافهم في تقاريرهم ومذكراتهم، ويعود الفضل في ذلك إلى خطة عسكرية محكمة استباقية نفذها الجيش الجزائري في حوض مغلق من المستنقعات والأوحال بين مدينتي سيق والمحمدية. حدثت هذه المعركة في مضيق الهبرة الذي احتلته قوات  الأمير وانتظرت وصول فيالق جيش تريزل إليه، والقادم من سيرات. ثم تحرّكت كتائب الأمير المرابطة في جهات مختلفة، والتفت حول الجيش الفرنسي وطوّقته، وباغتته من الخلف، فانسحب مُتضعضِعا منهزما إلى آرزيو يعدّ ضحاياه وخسائره: خمسمائة قتيل، ومئات الجرحى، وعتاد حربي معتبر (مدافع وعربات). لم ترض باريس بهذه الهزيمة المُدوية، فأقدمت على إقالات وتعيينات جديدة في صفوف القادة الفرنسيين، حيث استبدل الحاكم العام بالجزائر درويت إيرلون (Jean-Baptiste Drouet d'Erlon) بالجنرال كلوزال ( Bertrand Clauzel)، وقائد وهران تريزال (Camille Alphonse Trézel) بالجنرال دارلانج (Joseph-Marie-Gaston d'Arlanges) في شهر جويلية 1835م. 

3- معركة سيدي إبراهيم 23-26 سبتمبر 1845م:


 نشبت هذه المعركة قرب ضريح سيدي إبراهيم بالمقاطعة الإدارية المسماة حاليا "السواحلية" بالغزوات شمالي تلمسان. وتمكن الأمير من القضاء على الحامية، وعلى رئيسها العقيد فرنسوا مونتنياك (François Joseph Lucien de Montagnac) ورفاقه من ضباط وجنود بلغ عددهم حوالي مائتين وخمسين شخصا  (250) حسب الإحصائيات الفرنسية، كما وقع في الأسر العشرات منهم، ولم ينج من المتحصنين بضريح سيدي إبراهيم بعد خروجهم منه، والبالغ عددهم حينئذ اثنين وثمانين (82) جنديا سوى إحدى عشر شخصا (11).وبتاريخ 28/09/1845م اعترض الأمير رفقة البوحميدي الولهاصي كتيبة عسكرية فرنسية بقيادة الضابط مارين (Marin)، فاستولى عليها بسهولة بسيدي موسى. وكانت هذه المجموعة متوجهة إلى قاعدة عين تموشنت لتدعيمها بالجنود والعتاد والذخيرة، فاستسلمت له دون مقاومة، وظفر بها منتشيا بالنصر المؤزر، وغنم محتويات قافلتها.                                     

4- معركة تامدة 23/12/1845م:

    فاجأ الأمير الفرنسيين بقيادة الجنرال يوسف بهذه المعركة في خنق تامدة شمالي غربي تيارت بجبل الشط بعد مرور ما يقارب السنتين على نقل العاصمة إلى الحدود الغربية، وذلك في إطار سلسلة من المعارك الخاطفة التي استهدف فيها عدوه لإرباكه وتشتيت قواته. شارك في هذه المواجهة الشريف بومعزة، فانتعش الاستقطاب السياسي بتثبيت حضور الأمير وسلطته، وتعززت أكثر روح المقاومة الوطنية والثقة بالنفس لدى الجزائريين. نشرت الصحافة الفرنسية أخبار المعركة في اليوم الموالي، وعددت الخسائر من قتلى وجرحى فرنسيين. 

الصناعة الحربية: بناء المصانع وإنتاج الذخيرة  

 1- مصنع معسكر: شرع الأمير سنة 1834م بعد عامين من استرجاع زمام سلطة الدولة الجزائرية في بناء مصنع حربي بمدينة معسكر لإنتاج الذخيرة الحربية والأسلحة النارية وصيانتها مثل الخراطيش والملح والبارود وهياكل البنادق. وظلت ورشات الإنجاز تشتغل بحيوية، إلى غاية اقتحام الفرنسيين للمدينة في 06/12/1835م، وإشعال النيران فيها وتخريبها من طرف الحاكم العام الماريشال كلوزال. بعد عودة مدينة معسكر إلى سلطة الأمير بموجب معاهدة التافنة 31/05/1837م، عاد النشاط إلى المصنع، وكان يباع بعض إنتاجه في سوق المدينة، ويعرض يوميا كما هو الحال بالنسبة لغبرة البارود. وكان يجتمع بالمدينة بعض المختصين في شأن المدفعية، ويتباحثون في مسألة جلب قطع غيار الآلات التي يحتاجونها في العمل من تلمسان إلى تاقدمت.   

2- مصنع تاقدامت: توجه جيش الأمير نحو الشرق، واختار منطقة تاقدامت لنقل مصنعه الحربي وتطويره بها. فبنى في الجهة الشرقية مخازن المُعِدّات الحربية، والمواد الأولية الضرورية للصناعة الحربية مثل الحديد والرصاص والنحاس والكبريت والملح. ونصّب اليد العاملة الخبيرة بالتقنيات الأوربية الحديثة التي استقدمت بالمفاوضات الثنائية، وتم توظيفها بموجب عقود. وصار هذا المصنع يُنتج البارود والفشاك (الأنبوب الذي يحتوي على البارود أو الرصاص)، وماسورة البنادق (الجعبة: الأنبوب الفولاذي) وبشطولات "مكحلة" مزخرفة ومزينة بخطوط، كانت تُسلم لفرسان الخيول فقط نظرا لإنتاج عدد محدود منها. وكان للأسلحة البيضاء هي الأخرى نصيب من الإنتاج مثل السيف والخنجر.. وتوقف هذا المصنع عن الإنتاج الحربي بعد دخول الفرنسيين بقيادة الجنرال بيجو للعاصمة تاقدامت في 25/05/1841م وإحراقهم لها.

3- مصنع المشور: استعاد الأمير عبد القادر نفوذه على مدينة تلمسان بموجب معاهدة التافنة 1837م، ولّى عليها خليفته البوحميدي الولهاصي، وشيّد مصنعا حربيا بقلعة المشور جنوب المدينة أسفل هضبة لالّة ستي. وتم تزويده بمستلزمات التصنيع من فرن لصهر الحديد، ومنفاخ إيقاد النار والاحتفاظ باللهيب، والقوالب التي تُفرغ فيه المعادن لتشكيلها وصياغتها، وعجلات الدفع والتحريك.   كان مصنع تلمسان يستخدم الفحم النباتي والفحم الحجري، ويستعين بالبغال في تحريك بعض الآلات. وتمكن عماله من صنع الخرطوش وعدة قطع من المدافع الحديدية والبرونزية، ومقذوفاتها النحاسية والكور على شاكلة وأحجام المدافع الأوربية، وإنتاج مادة البارود ومطاحنه خاصة لدى القبائل المجاورة.   

4- مصنع مليانة: استعان الأمير بخبراء المعادن لتسهيل تحضير المادة الأولية للصناعة الحربية مثل ملح البارود والكبريت، واشتهر مصنع مليانة بمصهرة الحديد والرصاص والنحاس، وصناعة البارود والبنادق وسبك المدافع. وكانت تجلب إليه المعادن في شكلها الخام من مناجم المناطق المجاورة مثل زكار وجنوب تازا.               

5- ورشات التصنيع الحر "مقاطعة الزواوة": استفاد الأمير تحت إشراف الخليفة أحمد الطيب بن سالم الدبيسي بمقاطعة منطقة القبائل من الذخيرة كالخناجر والسيوف؛ والتي كانت تُنتجها  في نشاط حر بمنطقة أزفون وغيرها من القرى مثل بني فراوسن وبني يني. أما الأسلحة النارية، فاختصت بصناعتها قبيلة بني عباس جنوب بجاية منذ العهد العثماني.

2- مقاومة الحاج أحمد باي بن محمد الشريف: 

    اهتم الحاج أحمد باي بتقوية دفاعات مدينة قسنطينة باعتباره كان بايا عليها ،فقد كان تعداد جيشه حوالي 45000 جندي منهم 22000 من المشاة و23000 من الفرسان  .كان جيشه يتكون من العثمانيين وقبائل المخزن من الزمول والدواير ، كما كان يستعين بالقبائل المجاورة كالحراكتة وأولاد ريغ والحناشة ، حيث يتم جمع منهم من 2000 الى 5000 جندي .

مراحل المقاومة :

- المشاركة في صد العدوان الفرنسي على مدينة الجزائر سنة 1830 ، حيث انتهت باستسلام الداي حسين واحتلال العاصمة .

- الحملات الفرنسية المتتالية على بايلك الشرق ابتداءا من سنة 1832 ، انتهت باحتلال مدينة عنابة في 17 مارس 1832 .

-  في سنة 1836 قادت القوات الفرنسية حملة عسكرية على مدينة قسنطينة بجيش قوامه 8700 جندي مجهز بكل العدة والعتاد العسكري ، من نتائجها انهزام الجيش الفرنسي وسقوط قائد بن بوزيد رجم من قوات احمد باي شهيد رفقة 400 جندي من القوات المساندة له من قيلة الحراكتة.

- في 1837 قررت القيادة العسكرية الفرنسية توجيه حملة ثانية على قسنطينة فجمعوا 20400جندي فرنسي يساندها 27 مدفع و400عربة ، لما سمع احمد باي بقدوم هاذه القوات استعد لها وحاول مواجهتها بالقرب من قالمة لكن سرعان ماتراجع الى قسنطينة  بسبب قوة نيران القوات الفرنسية  ، وهناك حاول اعادة تنفيذ خطة 1836 لكنها لم تكن ناجعة بسبب قلة الجند ، حيث لم يتجاوز 8000 جندي  مما ادى الى انهزامه ودخول القوات الفرنسية الى مدينة قسنطينة ، احمد باي لم يستسلم  حيث لجأ الى اخواله بن قانة في بسكرة ، لكن القي عليه القبض سنة 1848 ونقل الى العاصمة وهناك توفي ودفن بالقرب من ضريح سيدي عبد الرحمان الثعالبي  سنة 1850.


الدفاع على مدينة قسنطينة  سنة 1836 

3-  مرحلة المقاومات الشعبية : 

           شهدت الجزائر خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين اندلاع العديد من المقاومات الشعبية في كل ربوع البلاد، حيث خاض الجزائريون معارك طاحنة ضد الاستعمار الفرنسي ، يمكن اختصار هذه المقاومات في :

1-   مقاومة متيجة (جويلية 1830/ديسمبر 1839 ): شملت هذه المقاومة سهل متيجة ، من أهم معاركها معركة البليدة في 24 جويلية 1830 ومعركة وادي العلايق في29 ديسمبر 1839 ، اما اشهر قادتها الشيخ محمد بن زعموم  والشيخ الحاج سيدي سعدي.

2-  مقاومة الشريف محمد بن عبد الله بن وضاح الخويدمي "بومعزة"( 1845-1847م): انتشرت هذه المقاومة في منطقة جبال الونشريس وحوض الشلف وجبال الظهرة ، من أهم معاركها معركة حوض الشلف وجبال الظهرة في  أفريل 1845م   ، ويعتبر زعيمها المكنى بالشيخ بومعزة من أشهر قادة هذه المقاومة حيث تحالف مع الامير عبد القادر .



مقاومة الشريف محمد بن عبد الله بن وضاح الخويدمي "بومعزة"

3- ثورة الزعاطشة :تمركزت هذه المقاومة في منطقة الزيبان في الفترة من ماي إلى نوفمبر 1849م ، حيث كانت واحة الزعاطشة مسرحا لهذه الثورة  ، حيث استعملت فيها اسلحة وسيوف وبنادق  من أشهر قادتها الشيخ أحمد بوزيان "خليفة الأمير عبد القادر في الزيبان": استشهد بتاريخ 26 نوفمبر1849م ، الشيخ محمد الصغير بن أحمد بلحاج، ومقدم الطريقة الرحمانية الشيخ سيدي عبد الحفيظ والحاج موسى الدرقاوي (بوحمارة) .


ثورة الزعاطشة (1849)

4- مقاومة الشريف محمد بن عبد الله الغسولي "إبراهيم بن أبي فارس عبد العزيز" (1851-1871م) ، انتشرت هذه المقاومة في كل من الأغواط وورقلة وبسكرة، من أهم معاركها معركة متليلي في 22ماي1852م ، معركة عين الرق بالأغواط في 04 أكتوبر1852م ومعركة واحة ليانة والمقارين بتقرت بين 10-20 سبتمبر/29 نوفمبر1854م ، ويعتبر كل من السلطان الشريف محمد بن عبد الله التلمساني و أمير بني جلاب سلمان بن علي من أشهر قادتها العسكريين.

5- مقاومة ابن ناصر بن شهرة (1851-1875م) ، امتدت هذه المقاومة في الجنوب الشرقي للجزائر ، عرفت اندلاع عدة معارك من أهمها  معركة الأغواط في 04 ديسمبر1852م ومعركة عين ماضي في جانفي 1869م  ، من أشهر قادة هذه المقاومة  الشيخ ابن ناصر بن شهرة الذي توفي في سنة  1884م بمشاركة أولاد سيدي الشيخ والشريف بوشوشة .

6- مقاومة محمد الامجد بن عبد المالك المدعو  الشيخ  بوبغلة (1851-1854)، إنطلق نشاط الشيخ بوبغلة  ضد الاحتلال الفرنسي من منطقة سور الغزلان ليمتد بعدها في منطقة الزواوة  ابتداءا من سنة 1851، حقق العديد من الانتصارات على الضباط الفرنسيين  لهذا جندت فرنسا له العديد من القوات بزعامة عدد من الضباط من بينهم الجنرال بلانجيني Blangini   والكولونيل دوريل d’Aurelles تمكن من تجنيد العديد من قبائل المنطقة الى جانبه ،  توسعت رقعة مقاومته لتمتد الى حوض الصومام وجبال البابور  والسفوح الشرقية لجبال جرجرة ، من اشهر معاركه معركة أوزلاقن التي وقعت خلال شهر جوان 1851 م ، لما اشتدت المعارك بين الطرفين  وتوسع نطاقها ، اذن  وزير الحربية الفرنسي للحاكم العام  بالجزائر بيليسي Pélissier  ان يقود حملة تأديبية ضد الشيخ بوبغلة بنفسه، في 26 ديسمبر 1854، حاول ببوغلة أن ينظم هجوما على احد القبائل الموالية للفرنسين لكنه تعرض الى الخيانة  وقتل وحز راسه و سلم إلى الفرنسيين.

7- مقاومة لالة فاطمة نسومر (1854-1857م):


  تسمي الأدبيات العربية والإسلامية المجاهدة لالة فاطمة نسومر

ـ: "خولة الجزائر"، وتنعتها المصادر الغربية بـ: "جان دارك جرجرة"،

 وهي بحق أيقونة المقاومة النسوية في الجزائر. تنتسب إلى وسط

 العلم والتصوف في سلسلة جدها سيدي أحمد أومزيان، تولت

 شؤون الزاوية الرحمانية بعد وفاة والدها سيدي محمد بن عيسى، 

وانخرطت في المقاومة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي بمشاركة نسوية 

معتبرة، تحالفت مع الشريف محمد بن عبد المالك الإدريسي "بوبغلة"

 منذ 1850م، وواجهت الفرنسيين وعملائهم بقيادة الجنرال روندون في منطقة واضية وألحقت بهم الهزيمة في معركة وادي سيباو 7/04/1854م، ثم هزيمة أخرى في معركة تاشكيرت في 17/06/1854م.واختارت بعد ذلك لالة فاطة نسومر أسلوب الحرب الخاطفة، وسياسة الهجوم والانسحاب التكتيكي إلى القواعد الخلفية بجرجرة، وذلك لإرباك الجيش الفرنسي وتشتيت قواته مثل ما حدث في معارك خفيفة بتزروتس ضواحي عين الحمام وبوغني وذراع الميزان. وبعد معركة إيشريضن ضواحي الأربعاء نايت إيراثن في ماي 1857م، تمكن الفرنسيون في الأخير بعد حشد قوات ضخمة زاد عددها عن 45 ألف جندي، من اعتقال لالة فاطمة نسومر بعد مقاومة باسلة في معركة "آيت تورغ" في 11/07/1857م، وتحويلها إلى الإقامة الجبرية ببني سليمان (تابلات: المدية)، أين تفرغت للعبادة وتحصيل العلم حتى وفاتها عام 1863م عن عمر ثلاثة وثلاثين سنة.

  8- مقاومة الشريف الحسين عبدو مولاي إبراهيم بن حسن  بوشوشة(1863-1875م)   : امتدت هذه المقاومة في الشرق والجنوب الشرقي للجزائر، من أهم معاركها معركة سبسب (بريان) في 12 ماي1870م و معركة تقرت بين 15 ماي و10 جويلية 1871م  ومعركة الركيزة (تبسة) في 29 سبتمبر1871م ، من أشهر قادتها العسكريين الشريف محمد بن التومي بن إبراهيم بوشوشة الذي استشهد بتاريخ29 جوان1875م بمساعدة الشريف محمد بن عبد الله وسي الزوبير ولد حمزة  .   

9- مقاومة أولاد سيدي الشيخ (1864-1874م) :إنتشرت هذه المقاومة في الجنوب الغربي للجزائر ، من أهم معاركها معركة عوينة بوبكر (شرق البيض)في 08أفريل1864، معركة ابن حطب في 26 أفريل1864 ، معركة ستيتن في 13ماي1864، معركة عين البيضاء في 30 سبتمبر1864 ، معركة غار سيدي الشيخ (جنوب غرب البيض) في04فيفري1865 ، معركة حاسي بن عتاب في 16مارس1866 ، معركة أم الدبداب (عين ماضي) في فيفري 1869، معركة ماقورة (سبدو) في 17 أفريل1871 و معركة ميقوب (جنوب غرب الأبيض سيدي الشيخ) في 23ديسمبر1871، من أشهر قادتها الشيخ سي سليمان بن حمزة الذي  استشهد بتاريخ  08أ فريل 1864م  وسي محمد بن حمزة الذي استشهد بتاريخ 22 فيفري 1865م وسي أحمد بن حمزة الذي توفي في 1868م  و الشيخ  قدور بن حمزة وأخوه سي لعلى .

10- مقاومة سيدي لزرق بلحاج الفليتي بين مارس و جويلية 1864م  ، إنتشرت هذه المقاومة فيكل من تيارت ، غليزان و الشلف ،من أهم معاركها معركة خنقة العازر في27 أفريل 1864م  ومعركة زمورة  بين 12 و13 ماي 1864م  ومعركة الرحوية في 21/05/1864م ومعارك عمي موسى وغليزان بين 26 و31 ماي 1864م ومعركة غليزان في  5 جوان 1864م ، من أشهر قادتها سيدي لزرق بلحاج الفليتي  الذي توفي في 1864م  بمشاركة خليفته ابنه  الشريف سي عبد العزيز والحاج محمد بن مختار  

11- مقاومة الشيخ المقراني والإخوة الرحمانيين (1871-1872م  ) ، تمركزت مناطق انتشارها من القل شرقا إلى مليانة غربا، ومن المدن الساحلية شمالا إلى بسكرة وعين صالح جنوبا ، من أهم معاركها معركة وادي سوفلات  بالبويرة في 5 ماي1871م و معارك جبال البابور وعموشة بين شهري ماي و جوان 1871م و معركة قرب قلعة بني حماد: 8/10/1871م  ، بالإضافة الى حصار برج بوعريريج في 16 مارس1871م، من أشهر قادتها  الشيخ محمد المقراني  الذي استشهد بتاريخ 5 ماي 1871م بمشاركة أخيه  الشيخ بومرزاق المقراني والشيخ الحداد وابنه عزيز.   

12- مقاومة الشيخ بوعمامة  (1881-1908م)  ، تمركزت هذه المقاومة في الجنوب الغربي وتيارت و فقيق ووجدة، من أهم معاركها معركة صفيصفة بعين الصفراء في 27 أفريل1881م و معركة المويلك بجبال القصورفي 19 ماي 1881م  و معركة شط تيقري  بفقيق في 16/04/1882م ، يعتبر الشيخ محمد بن العربي بوعمامة  من أشهر قادتها.                    

 13 -  مقاومة  التوارق (1881-1928م) ،حاولت فرنسا التغلغل في الصحراء الجزائرية منذ عام 1880م عن طريق الوفود الاستكشافية، إلا أنها وجدت صعوبة بالغة بسبب وعي أهل المنطقة بأبعاد هذه النشاطات الاستعمارية، وعلاقتها بالمشروع الاستيطاني. وتفاجأ الجيش الفرنسي بمقاومة عنيفة خاضها ضده الشيخ آمود بن المختار (1859- 1928م) بالهقار، إذ أقدم على تصفية المستكشف الضابط بول فلاترز قرب بئر القرامة في 16/02/1881م غرب جنات بـ: 300 كلم. تمكنت فرنسا من احتلال قصور واحة جنات بتاريخ 27/11/1911م، وأقام بها النقيب إدوار شارلي (Edouard Charlet) عسكريا لمراقبة حركة الجزائريين وسكان المنطقة باتجاه تونس وليبيا خاصة عند إندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914م. وبعد تحضير جيد للمعركة بمدينة غات الليبية على بعد 100 كلم باتجاه الجنوب الشرقي، هاجم التوراق بقيادة الشيخ آمود ومساندة الشيخ عبد السلام شرداق جنات يوم 6 مارس 1916م، وتقدمت المقاومة الجزائرية نحو حصن شارلي بجنات لاقتحامه بعد أن رفض الفرنسيون الاستسلام، وكانت مسلحة بالبنادق والرشاشات والمدافع، وبلغ عدد مسلحيها 400 جندي. أحكم التوارق الحصار المطبق على الحصن لمدة 18 يوما (6-24 مارس 1916م)، وهدموا أجزاء منه، والحقوا إصابات بليغة بقوات العدو؛ الذي انسحب منهزما يعد خسائره وقتلاه، رغم وصول قوات النجدة من تيديكيلت بقيادة بودوان ولونوار (Baudoin/Lenoir). وطاردت المقاومة الفرنسيين الفارين، واشتبكت معهم مرة أخرى بتاريخ 27 مارس 1916م في موقعة تيهناس ايسنديلن، وتم أسر معظمهم بما فيهم القائد لا بيار (Lapierre). ودافع التوارق بكل ضراوة عن جنات بعد عودة الفرنسيين لاحتلالها يوم 12 ماي 1916م بقيادة الرائد مينيي (Meynier)؛ وهي المعركة الثالثة التي انسحب على إثرها التوارق من جنات بسبب نفاذ الذخيرة. واعتمد الشيخ آمود فيما بعد مع أعوانه ومساعديه في منطقة الطاسيلي من زعماء الطوارق، على سياسة الهجومات السريعة، ومباغتة الجيش الفرنسي، واعتراض قوافله وأرتاله العسكرية، فخاض الطوارق معارك شديدة عام 1917م في تازروفت وتابنكورت ووادي أوال. كما أقضّوا مضاجع العدو كذلك في حصن بولينياك بإليزي حاليا، وذلك في معارك وادي إيميهور وتين هضان وعين الحجاج. 

وشهدت منطقة الهقار هي الأخرى سلسلة معارك ضارية مثل معارك وادي تهراق، وإيلامان، وتي هاو هاو بين عين صالح وتمنراست، وعين إيمجن عام 1916م. وفاوضت فرنسا الشيخ آمود على الاستسلام مقابل اعتراف منها له بالسلطة على إقليم الطاسيلي والهقار، فرفض التوارق بقيادته هذا العرض ووضع السلاح، وظلت الثورة مشتعلة إلى غاية وفاته بالمنفى بالغريفة بليبيا عام 1928م.   


            معركة بئر الغرامة02 أفريل 1881                                               


تطور جيش التحرير الوطني (1954-1962)

ا- بدايات جيش التحرير الوطني (1939-1954م)  

تبنى حزب الشعب الجزائري خيار الاستقلال الوطني منذ تأسيسه في 11مارس 1937، لكن الظـــــروف السائدة  آنذاك كمسألة حل الحزب في أوت 1939 واندلاع الحرب العالمية الثانية في 03 سبتمبر1939، حتمت تأخير المشروع، لكن رغم ذلك ظهرت محاولات داخل الحزب تبنت الاتجاه الثوري التحرري منها  لجنة العمل الثوري لشمال إفريقيا  Comité d'Action Révolutionnaire Nord Africain   التي تأسست في ربيع 1939 ، وقد  اعتبرت عند الكثير من المهتمين اللبنة الأولى في طريق الكفاح المسلح،  ركزت هذه اللجنة نشاطها على جمع وتخزين الأسلحة، كما أرسلت مجموعة من الشباب الجزائري إلى ألمانيا لأخذ فكرة عن تقنيات حرب العصابات وصنع المتفجرات والتدرب على استعمال الأسلحة الفردية.  واجه عناصر اللجنة صعوبات عديدة على رأسها عدم وجود جهاز سري محكم ومنظّم يمكنه تعبئة الجماهير وهيكلتها للقيام بعمل مسلح ، ونقص السلاح،وكذا الرفض الذي أبداه رئيس الحزب ميصالي الحاج اتجاه تعاملها مع الألمان، مما  أدى إلى حلها .  

مع مطلع سنة 1943 اجتمع أعضاء اللجنة السابقة بمدرسة الراشد بالجزائر العاصمة ، واتفقوا على تأسيس منظمة جديدة عرفت  بتنظيم مدرسة الرشاد ، ترأسها في البداية كل من محمد طالب وحسين عسلة، ثم توســــــعت تركيبتها من خلال تجنيد مجموعات شبانية في المدارس والجمعيات والنوادي على شكل خلايا سرية مهمتها جمع السلاح والذخيرة، منها اللجنة المعروفة بلجنة شباب بلكور "le comité de la jeunesse de Belcourt" التي ترأسها المناضل الشاب محمد بلوزداد،حيث كان هذا التنظيم يتزود بالسلاح من خلال الأسلحة المهربة و بعض ما تم الحصول عليه من الجنود الفرنسيين، وتمكنت في ربيع 1944   من الاستيلاء على بعض الأسلحة الخفيفة من المعسكرات الأنجلو أمريكية،والتي اشتملت  على  مسدسات من عيار9ملم و 12 ملم مجهزة بأمشاطها وبعض القنابل الدفاعية اليدوية ومجموعة من الرشاشات، لكن اللجنة ورغم فشل تحقيق الهدف الذي أنسئت من أجله وهو تفجير الثورة خلال الحرب العالمية الثانية؛ إلا أنها نجحت في بعث وترسيخ فكرة العمل المسلح بعمق  ضمن توجهات حزب الشعب الجزائري،

خاصة بعد مجازر 08 ماي 1945، من خلال تشكيل جناح مسلح في مارس 1947،  أطلق عليه اسم المنظمة الخاصة ((OS  تابع لحزب حركة انتصار الحريات  الديمقراطية،باركه رئيس الحزب مصالي الحاج الذي قال: " إني أوافق على إنشاء جناح عسكري يتولى تدريب المناضلين عسكريا وتكوينهم سياسيا وبذلك نكون قد هيأنا واستعجلنا جميع الوسائل من أجل تحرير البلاد”، حيث عمل هذا التنظيم في الخفاء تمهيدا لولادة عسيرة ولكن فعالة لحدث تاريخي عظيم اسمه ثورة الفاتح من نوفمبر 1954. 


عملية شنق الجزائريين خلال وبعد مظاهرات 08 ماي 1945

   لقد تهيأت الظروف لنشأة هذه المنظمة في مناخ أحيط بالسرية التامة، كما أسست عدة فروع تابعة لها عبر كامل التراب الوطني، كان من أهمها فرع الأوراس بقيادة مصطفى بن بولعيد الذي بدأ في تشجيع المناضلين والمواطنين المخلصين على اقتناء الأسلحة المنتشرة في الصحراء الشرقية (واد سوف)، والتي تم تهريبها من مصر وليبيا، أما النقطة السلبية التي عانت منها المنظمة الخاصة تمثلت في نقص المال ، لكن  هذا العائق سرعان ما تم معالجته حيث أنها قامت بالحصول على الأسلحة بعدة طرق نذكر منها: 

1- عن طريق مساعدات المواطنين : حيث تنافس المناضلين على جلب الأسلحة المنتشرة في صحراء وادي سوف حتى أمسى "الأوراسي" يحرم أولاده من لقمة العيش ليشتري بثمنها قطعة سلاح، وأضحت كلمة الرجـــــولة مقترنة بقطعة السلاح.

2- عن طريق الشراء : قامت المنظمةّ، رغم نقص الأموال، بمحاولات لشراء السلاح، أبرزها تلك التي تم تنفيذها في صحراء فيض أولاد عامر قرب زريبة الواد بالقرب من بسكرة عام 1948 حيث بلغ عدد القطع 

320بندقية حربية و 230 بندقية حربية في العملية الثانية،  إضافة إلى توجه المناضلون إلى تونس لنفس الغرض وكانت تلك الأسلحة المهربة تخزن بالأوراس.

3- القيام ببعض العمليات العسكرية:  لتوفير المال اللازم لشراء الأسلحة،  كعملية بريد وهران بقيادة أحمد بن بلة يومي 03 و04 / 05/1949. حيث تم الحصول على مبلغ مالي قدر بأكثر من ثلاثة ملايين فرنك قديم،  ساعد المنظمة في الحصول على المزيد من الأسلحة . 

4-التشجيع على امتلاك أسلحة فردية: وهذا ما قام به مصطفى بن بولعيد في الأوراس، حيث فرض على سكان المنطقة  امتلاك سلاح فردي ونصحهم بعدم تبذير البارود في الأعراس ،أما في منطقة وهران فقد فرض على كل مناضل في المنظمة دفع مبلغ مالي بقيمة ستة آلاف فرنك فرنسي قديم للحصول على سلاح فردي.

5-إنشاء نواة لصناعة حربية محلية:  تمثلت في ما يلي:

 -صناعة المتفجرات: أشرفت على هذه المهمة مصلحة الهندسة التي أنشئت عقب مؤتمر زدين في ديسمبر 1948 والكائن مقرها بساحة أول ماي في الجزائر العاصمة ، تضمنت تعليم المناضلين تقنيات صنع المتفجرات وعمليات الإحباط، وخصص  لهذا الغرض ثلاث ورشات، الأولى بمدينة الجزائر في داخل مستودع بشـــــــــــــارع"  Rovigo "روفيغو " والثانية بحسين داي والثالثة في منطقة القبائل. لقد كان عناصرها يتدربون على استعمال مختلف أنواع المتفجرات في عمليات التخريب، واستطاع المتخصصون في هذا المجال من تصميم وصناعة بعض القنابل اليدوية بوسائل بسيطة كأنابيب السباكة.

-صناعة أجهزة الاتصال نجح المختصون في الراديو يعملون في مصلحة الاتصالات من صنع أجهزة إرسال واستقبال.

- صيانة الأسلحة المعطوبة :   عملت المنظمة الخاصة على إصلاح وصيانة الكثير من قطع الأسلحة التي كانت تخزن في ظروف سيئة مما جعلها تتعرض إلى الصدأ، وأصيب الكثير منها بالعطب، وقد اجتهد مصطفى بن بولعيد في هذا الجانب،  حيث كان في كثير من المرات يشرف على عملية تنظيفها وصيانتها 

6- تأسيس قواعد خلفية للثورة بالخارج : وهذا ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر زدين في ديسمبر 1948، حيث تقرر تكليف الأمين دباغين بهذه المهمة باعتباره مسؤول العلاقات الخارجية للحزب ، حيث تم التنسيق مع بعض الأحزاب في تونس والمغرب ، كما كانت هناك اتصالات أخرى في كل من ليبيا ومصر  لتوفير السلاح اللازم .  

   اكتشفت السلطات الاستعمارية المنظمة الخاصة سنة 1950 بعد حادثة تبسة ،فقامت باعتقال العديد من أعضائها وسجنتهم، لهذا قررت قيادة الحزب حلها وتفكيكها ، لكن رغم ذلك واصل بعض أعضائها المطاردين من طرف المستعمر العمل في سرية تامة والتحضير بجد للثورة المسلحة .

-التحضيرات الأولية الداخلية والخارجية للاندلاع الثورة (1950-1954): 

من المفارقات العجيبة أن تحل المنظمة الخاصة بعد اكتشاف أمرها سنة 1950 بسبب قضية تبسة، فقد أصبح الكثير من أعضائها مطاردين من طرف الشرطة الفرنسية، لكنهم كانوا يعملون بطريقة سرية مؤمنين بقضية وطنهم، حيث حاولوا مرة أخرى تجسيد مشروعهم العسكري من خلال تكوين شبكة لتنسيق العمل المسلح على مستوى المغرب العربي حتى تكون وسيلة لتحقيق الحرية والاستقلال، في هذا الإطار يشير الرئيس الراحل محمد بوضياف أن الهيكلة الجديدة للمنظمة الخاصة شرعت في عقد العديد من الاجتماعات لمناقشة أوضاع الحزب الداخلية التي عرفت في أفريل 1953 خلافات حادة بين أعضائها، بالإضافة  إلى الوضع العام في العالم والمغرب العربي، حيث أعادت تفعيل المنظمة الخاصة تحت تسمية "البركة" تيمّنا بتفجير الثورة في أقرب وقت، ووصلت  إلى القرارات التالية:

أولا : إعادة تشكيل المنظمة الخاصة بدون انتظار موافقة إدارة الحزب، حيث تم تفعيل خلايا المنظمة في منطقة الأوراس التي لم تحل لعدم اختراقها من طرف المصالح الفرنسية الخاصة، كما تمّ تجديد الاتصال بالخلايا الأخرى في الشرق والوسط والغرب. 

ثانيا:  تحضير عناصر الدعم اللوجيستيكي للعمل المسلح، ولهذا الغرض تمّ تكليف مصطفى بن بولعيد بمهمتين أساسيتين هما: السفر إلى ليبيا لإعادة تفعيل الشبكات القديمة لتهريب الأسلحة، و إعادة تفعيل ورشات صناعة القنابل في الأوراس.  كما ربطت المنظمة علاقات هامة مع  المجاهد المغربي عبد الكريم خطابي الذي كلف ضابطين مغربيين للتنسيق مع الجزائريين بغرض التحضير الجيد للثورة في البلدان المغاربية الثلاث، لكنه اشترط أن يكون انطلاق العمليات العسكرية على الجبهتين الجزائرية والمغربية في آن واحد مع الاحتفاظ بالريف المغربي كقاعدة خلفية آمنة للثورتين الجزائرية والمغربية باعتباره كان تحت الحماية الإسبانية، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان ، حيث وقع انفجار في مستودع صنع القنابل الذي  أنشأه مصطفى بن بولعيد في الأوراس  في 17 جويلية 1953، مما أجل اندلاع الثورة إلى غاية 01 نوفمبر 1954 .

   لقد عجلت الأزمة التي كان يعيشها حزب الشعب، الذي انقسم بين أنصار مصالي الحاج وأعضاء اللجنة المركزية وتفاقمها إلى إنشاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل في  23مارس 1954 ، حيث كان على رأسها كل من محمد بوضياف ، مصطفى بن بولعيد  و رمضان بشبوبة ، بشير دخلي من تيار اللجنة المركزية، والتي عملت على التحضير للعمل المسلح  وبدأت مرحلة جديدة من الإعداد الجدي لإمكانية استئناف التكوين العسكري اعتمادا على الدروس العسكرية التي كانت تقدمها المنظمة الخاصة، لكن اللجنة حلت في 20 جويلية 1954، وعوضتها فيما بعد لجنة الستة المتكونة من محمد بوضياف وكريم بلقاسم ومصطفى بن بولعيد والعربي بن مهيدي وديدوش مراد ورابح بيطاط التي واصلت عملية التحضيرات، لكن نقص السلاح كان هو الهاجس الأول الذي شغل بال مفجري الثورة، لهذا فقد بذلت مجهودات جبارة واستغلت كل الوسائل والطرق في سبيل الحصول عليه، ولم تقتصر عملية جمعه على التراب الوطني بل شملت حتى الدول المجاورة، خاصّة ليبيا التي جلبت منها كميات معتبرة وخزنت في منطقة وادي سوف، وكذلك الحال بالنسبة لتونس، حيث قامت المنظمة الخاصة بإنشاء مخابئ سرية.

 في 10 أكتوبر1954 عقدت لجنة الستة اجتماعا بضواحي مدينة الجزائر لدراسة قــــضيتين هما الإسم الجديد للحركة و تحديد موعد بداية الثورة ، و بعد أخذ و رد تم المصادقة على إنشاء جهاز سياسي يسمى جبهة التحرير الوطني  و جهاز عسكري يسمى جيش التحرير الوطني ، كما تم تقسيم التراب الوطني إلى خمس مناطق وهي:  منطقة الأوراس و النمامشة، منطقة الشمال القسنطيني، منطقة القبائل، منطقة الجزائر وما جاورها، ومنطقة وهران والجنوب الوهراني، حيث عين على رأس كل منطقة قائد عسكري ينوبه مساعدون، و قسمت المنطقة إلى نواحي، والنواحي إلى أقسام.


إندلاع الثورة وتقسيم المناطق

ب- جيش التحرير الوطني من الانطلاق إلى الثبات إلى التحدي(1954-1956م): 

      شهدت بداية اندلاع الثورة العديد من العمليات النوعية ساهمت بما لا يدع مجال للشك في انتشار لهيب الثورة عبر كامل التراب الوطني ومن أشهر هذه العمليات :

1-معركة الجرف وآفاق الثورة:

    عرفت جبال الـجرف بالنمامشة طوال أسبوع كامل ابـتداء من 22 سبتمبر 1955 إلى غـاية 29 سبتمبر 1955 مـعركة الجرف الأولى، بـقيادة القائد بـشير شيهاني. حيث انتقل المجاهدون من القلعة إلى الجرف، بأمر من القيادة العسكرية للثورة، ليشهدوا اجتماعا عامًا وهامًا في ذات الوقت، حضره كذلك مواطنون من تلك المنطقة. لقد سعت قيادة الثورة خلاله إلى استغلال الفرصة لتعبئة وتوعية الشعب بحقيقة وأبعاد الثورة، وللدفاع عنها بمختلف الوسائل والإمكانات، خصوصًا بعد الحملة الدعائية المركزة والمكثفة التي شنتها وسائل الإعلام الاستعمارية، بغرض تقزيم الثورة وتجريم أبطالها وقادتها  وتهوين مختلف العمليات العسكرية، قصد التأثير على معنويات المجاهدين من جهة، والضغط على الشعب حتى لا يلتحق بالثورة من جهة ثانية، وقد حضر هذا الاجتماع التاريخي، القائد بشير شيهاني، إلى جانب نائبيه العسكري  عباس لغرور، والسياسي عجول عجول. ولما علمت القيادة العسكرية الفرنسية بالاجتماع، أدركت الأهمية التي يكتسيها، باعتبار أنه ضم عددا كبيرا من القادة والمسؤولين والمجاهدين، حيث قامت بمحاصرة المكان حصارا عسكريا كبيرا، للقضاء على عناصر جيش التحرير الحاضرين في الاحتماع، وتقضي على قادته، وتضع بذلك حدًا نهائيًا للعمل العسكري الذي أخذ ينمو ويتطور بأوراس النمامشة. 

لقد قُدرت قوات الجيش الاستعماري، بأكثر من أربعين ألف جندي ولما رأى المجاهدون ذلك، أدركوا أنه لا سبيل لهم غير مواجهة القوات الاستعمارية، مما دفعهم إلى التحصن بشعاب الجرف، وتوزيع المجاهدين وتنظيمهم على نحو دقيق، يستحيل معه على قوات الاستعمار أن تنال منهم بمدافعها أو تصيبهم بقذائف طائراتها.ولتسهيل مهمة الاكتساح، شرع العدو خلال اليوم الأول من المعركة (22-09-1955)، بتكثيف القصف المدفعي، شرقا وغربا وجنوبا، حيث تدخلت بعد ذلك فرق المشاة من اللفيف الأجنبي، غير أن ذلك لم يجد نفعا، نظرا لمناعة المكان وحسن تحصن المجاهدين ، وفي اليـوم الثاني، لجأ العدو إلى القصف المدفعي، على مدار الأيام الأخـرى إلى غاية اليوم الأخير من المعركة.  وقد استطاع المجاهدون أن يلحقوا بالقوات الاستعمارية خسائر كبيرة، بعد أن تمكنوا من محاصرتها حيث تراوحت بين 600 و 700 قتيل، وأصيبت عشرون طائرة بين العطب والسقوط، فضلا عن بعض الدبابات والشاحنات، كما غنم المجاهدون 150 قطعة من السلاح. وقد أُستشهد خلال هذه المعركة ما يربو من 170 شهيدا ، وأصيب ما بين أربعين وخمسين بجروح. وكعادة القوات الاستعمارية، في التعامل مع الفشل الذي منيت به سلطت جام غضبها على المدنيين العزّل، حيث ساقت كثيرا منهم إلى مراكز التجميع، وأحرقت بعضا من القرى، انتقاما لقتلاها. 

ولافـتا في الآن نفسه، وهي الحقيقة التي باتت معلومة و أضحى من الصعوبة بمكان إخفاؤها أو تجاهلها.


 

معركة الجرف الأولى( 22 سبتمبر 1955 إلى غـاية 29 سبتمبر 1955  ) 

2 -هجومات الشمال القسنطيني تعزز مسار الثورة :

أمام الضغط الكبير الذي أفرزه التعزيز العسكري الاستعماري وعمليات التمشيط المكثف لجبال الأوراس فضلاً عن عمليات القنبلة، وتوسيع نطاق عمليات الاعتقال والتفتيش، وكذا الترحيل الإجباري للسكان. ففي ظل هذه الأوضاع الصعبة، التي كانت تحياها الولاية الأولى، أرسل القائد بشير شيهاني، حسب شهادة السيد بن طوبال، رسالة إلى القائد يوسف زيغود، دعاه من خلالها إلى القيام بعمليات عسكرية، قصد فك الحصارالخانق المضروب على المنطقة الأولى، وكذا العمل على إبراز القضية الجزائرية على الصعيد الدولي. 

إن المنطقة الثانية عانت من نقص السلاح ، وقد كان لاستشهاد قائدها مراد ديدوش أثر سلبي انعكس على حركية الثورة بالمنطقة لفترة قصيرة. وقبل أن تطوي الثورة عشرة أشهر من اندلاعها، انطلقت انطلاقة ثانية في 20 أوت 1955، طبعتها الشـدة والقوة الأمر الذي أدى بالعسكريين والمدنيين الأوربيين على السواء إلى الانتقام من الجزائريين. 

  إن قـرار التحول الحاسم والتاريخي في مسار الثورة الذي جسدته هجومات 20 أوت 1955، اهتدى إليه القائد زيغود يوسف بعد دراسة معمقة، في الوضعية الصعبة التي أضحت تعيشها الثورة، بالشمال القسنطيني، نتيجة نقص التموين، وكذا العزلة التي عرفها بسبب انقطاع قنوات الاتصال بين مختلف مناطق الوطن.  ومن هذا المنطلق، بات لزاما على قادة المنطقة، القيام بعمل عسكري ذي ثقل ووزن كبيرين، من شأنه أن يعزز من قوة وموقع الثورة. لقد توخى يوسف زيغود  وضع الثورة على طريق اللارجوع من خلال إشراك الشعب ودفعه إلى مواجهة القوات الاستعمارية مواجهة مباشرة.

 إن هذه الهجومات أكدت حقيقتين أساسيتين، هما الفشل الذريع للعدو في تطويق الثورة في جبال الأوراس من جهة، وأن جبهة التحرير الوطني هي القوة العسكرية والسياسية الوحيدة الموجودة في الميدان، وليس ثمة قوى أخرى؛ لقد فتحت تلك الهجمات، الآفاق واسعة أمام إمكانية امتداد وانتشار الكفاح المسلح، ليس في الجزائر فحسب، ولكن في المغرب العربي ببلدانه الثلاث، كما عملت على تعزيز  مسيرة الثورة.


                                 الشهيد زيغود يوسف 

قائد ومهندس هجومات الشمال القسنطيني 20 أوت 1955 

3- معركة وادي هلال :

بعد أقل من شهرين، على تفجير الثورة في الفاتح نوفمبر 1954 خاض المجاهدون بالمنطقة الثالثة، أول معركة مع قوات الإحتلال الفرنسي، بعد أن كانت العمليات العسكرية تقتصر على المضايقات، الكمائن وعمليات التخريب، التي كانت تطال المصالح الاقتصادية لسلطات الإحتلال الفرنسي. وهو ما يؤشر على التطور النوعي الذي ولجته الثورة مبكرا، على الرغم من نقص الإمكانات المادية، البشرية و العسكرية. 

و تعود أسباب المعركة التي شهدت رحاها، منطقة وادي هلال التابعة إقليميا للمنطقة الثالثة، إلى عملية تخريبية استهدفت حظيرة مؤسسة الدعم الفلاحي و البيولوجي بقرية بن شود. حيث أتت ألسنة النار التي أضرمها المجاهدون على الجرارات و العتاد الفلاحي. و قد اضطلع بالمهمة مجموعة من المجاهدين في 11 ديسمبر 1954 ، و فور الإنتهاء من العملية التي كللت بالنجاح مثلما خُطط لها، انسحب المجاهدون المهاجمون إلى مرتفعات جبل بوبراك، بعيدا عن أعين قوات الاستعمار، ليتحصنوا هناك. بيد أنهم علموا بمصادرهم الخاصة أن قوات العدو الفرنسي تنوي القيام بعملية تمشيط كبيرة للجبل حيث يتحصنون، للانتقام منهم و الثأر للعملية التي باغتوا بها إدارة الاحتلال الفرنسي، ما اضطرهم إلى مغادرة المكان على جناح السرعة .و في الوقت الذي كانوا يعبرون فيه وادي سيباو متجهين إلى منطقة شرابة، رآهم  بعض السكان، إلى جانب أحد حراس مركز التكوين ببغلية. حيث كان يقوم بالحراسة الليلية، فشاع خبرهم بسرعة وسط السكان، حتى بلغ مسمع شيخ قرية مشتى علال. و أقام المجاهدون عند أحد المواطنين لكن أحدهم نقل خبر إقامتهم إلى سلطات الاحتلال. أما عن سير المعركة فقد تمركز المجاهدون في الأماكن المحصنة و المنيعة لمباغتة قوات الاستعمار، ولتجنب ضرباتها، خاصة وأن قوات عسكرية فرنسية كبيرة، من طيران ومشاة  ومدفعية و دبابات، أُعدت لغرض القضاء على المجاهدين بتلك المنطقة. وقد بلغ تعداد قوات الاحتلال، خلال تلك المعركة، 5000 عسكري، من المشاة المحمولة على متن 200عربة  عسكرية، 62 دبابة و عدة بطاريات من مدفعية الميدان، وعدة بطاريات من الهاون، فضلا عن طائرات الاستطلاع.  للإشارة، فإن عدد المجاهدين بلغ تسعة فقط، 

و في صباح 22ديسمبر 1954بدأت إشتباكات عنيفة بين الطرفين، حيث ركزت قوات الإستعمار جهودها لتدمير كافة المواقع الدفاعية للمجاهدين قاموا بالقضاء على العساكر، و استمر الاشتباك من الثامنة صباحا إلى غاية السابعة مساء. وقد أسفرت المواجهة الدموية خلال هذه الموقعة، عن قتل 31عسكريا فرنسيا، وجرح 80 آخرين. أما من جانب المجاهدين، فقد سقط خمسة مجاهدين شهداء، و أسر ثلاثة مجاهدين، فيما استطاع مجاهد الفرار و الالتحاق بمقر القيادة العسكرية للثورة. 

4- معركة جبل زكري:

تعود وقائعها إلى السابع من شهر نوفمبر 1955، حيث شهدت منطقة جبل زكري –مسيفة –التابعة وفقا للاختصاص الإقليمي للمنطقة الخامسة. ويعتبر جبل زكري موقعا استراتيجيا، وهو ما جعله يعيش و يشهد أعمالا عسكرية كثيرة خلال السنوات الأولى من عمر الثورة، والمكان الذي شهد المعركة، يتميز بمميزات طبيعية خاصة، إذ يفتقر إلى الغطاء النباتي الكثيف عدا بعض الأشجار القليلة، كما يتميز بمنحدرات ومسالك طبيعية وعرة، فضلا عن اتساع رقعته. لقد كانت المعركة شديدة بين فصيلتين من مجاهدي جيش التحرير الوطني ووحدات لقوات الاحتلال، مزودة بأسلحة كثيرة، متنوعة ومتطورة، قياسا بما كان عند عناصر جيش التحرير الوطني. 

يعود تواجد المجاهدين بهذه المنطقة إلى أنهم قاموا بعملية تخريب لمزارع وضيعات المستوطنين، وكانت آخر مزرعة أتى عليها التخريب، هي مزرعة فيليمو، الواقعة في "تاويا " قرب ندرومة. وبعد أن فرغ المجاهدون من أدائهم الميدان وكلهم ثقة وعزم على المضي قدما باتجاه تطوير العمل العسكري على المستويين الكمي والنوعي، لجأوا إلى جبل زكري، واغتنموا الفرصة لعقد اجتماع. 

 حيث توخى الاجتماع دراسة الوضع العام للثورة، على مستوى تلك الجهة، وتم ضبط الأمور بدقة، لتكثيف ومضاعفة العمليات العسكرية ضد قوات الاحتلال الفرنسي، وبعد الانتهاء من الاجتماع، قُسّم الحضور إلى مجموعتين، وغادروا المكان باتجاه دوار مسيفة،  غير أنهم حوصروا حصارا شديدا من طرف قوات الاحتلال، قبل طلوع نهار يوم السابع من نوفمبر، بسبب وشاية وصلت دوائر العدو الفرنسي. وبعد بزوغ الشمس، انطلقت قوات الاحتلال في عملية تمشيط للمنطقة والتقدم بغرض تضييق الخناق على المجاهدين والقضاء عليهم، واللافت أن المجاهدين تجنبوا المواجهة المباشرة طبقا لتعليمات القادة و المسؤولين، لعدم التكافؤ، عددا وعدة، حيث انقسموا إلى مجموعات صغيرة للتمويه والمباغتة، رغبة في إنزال خسائر  معتبرة في صفوف قوات الاحتلال. وقد كانت الحصيلة  ثقيلة  جدا ، فبالنسبة للخسائر البشرية في صفوف جيش الاستعمار، فإنها بلغت زهاء الأربعمائة قتيل. فيما أسر ثلاثة من المجاهدون و أستشهد خمسة وعشرون شهيدا، وأصيب تسعة آخرون بجروح  متفاوتة. 

5- النشاط الفدائي في  منطــقة الجزائر :

عرفت منطقة الجزائر أو مثلما باتت تعرف بعد مؤتمر الصومام  "المنطقة المستقلة الجزائر " تطورا كبيرا في مجال العمل الفدائي، بعدما اتضح لقادة ومسؤولي التنظيم السري للثورة أن العمليات المنفذة التي كانت تستهدف رجال و مراكز الشرطة، وبعض وجوه الاستعمار، أنها لم تكن فعّالة بالموازاة مع عمليات التصعيد في قمع و إرهاب الجزائريين وهو ما شكل حافزا باتجاه تصعيد العمل الفدائي.. ولم يتأخر رد الثورة كثيرا عن العهد المعنوي الذي قُطع مع الشعب الحاضن للثورة.ذلك أنه ابتداء من شهر جوان 1956، بدأت أحكام الإعدام تنفذ في المنحرفين المتعاونين مع شرطة الاحتلال، حرّاس السجون المعذبون ورجال الشرطة القتلة. وقد شهد وسط العاصمة عملية نوعية تمثلت في إعدام أميدي فروجي  "Amédée Froger " رئيس  فدرالية بلديات الجزائر، ورئيس بلدية بوفاريك في الوقت نفسه، في 25 ديسمبر 1956. 

للإشارة، أن الثورة لم تبادر إلى استعمال القنابل في العاصمة ، إلا بعد أن أقدم المتطرفون الأوروبيون على القيام بسلسلة من العمليات الإرهابية ، ضد المدنيين الجزائريين. ويمكن إجمالها في الآتي :

24 ماي 1956 ألقيت قنبلة يدوية على محل تجاري ببوزريعة، لصاحبه قوريشي الطيب. 

30جوان 1956 وضع قنبلة بمقر الاتحاد العام للعمال الجزائيين. 

4جويلية 1956وضع قنبلة في مؤسسات تمزالي، بطريق جيش التحرير. 

7جويلية 1956 وضع قنبلة تحت حافلة شركة الهضاب العليا. 

7جويلية 1956 وضع قنبلة بكشك للسجائر، بساحة لالير. 

11جويلية 1956 وضع قنبلة  في مؤسسات عمال. 

17جويلية 1956 وضع قنبلة بمقر جريدة الجزائر الجمهورية. 

21جويلية 1956 وضع قنبلة بمقهى شعبي "البحرية ". 

31جويلية 1956 وضع قنبلة بمستودع حافلات سوفي. 

7أوت 1956 وضع قنبلة بمؤسسات بن شيكو. 

10أوت 1956 وضع قنبلة بشارع تيبس، بالقصبة. 

15 سبتمبر 1956 وضع قنبلة بسينما الجمال. 

20سبتمبر 1956 إلقاء قنبلة يدوية على محل تجاري لجزائري "عمرون محمد ". 

18 أكتوبر 1956 وضع قنبلة بمطبعة كوكلاين. 

9 نوفمبر 1956، وضع قنبلة بالمطبعة العامة.

 وبالفعل بدأت الثورة بعد البيان مباشرة، في تجسيد وعدها بالثأر للشهيدين  زبانة  وفرّاج. لقد بلغت العمليات الفدائية، معدل أكثر من عشرين عملية في اليوم 

 ولعل ما زاد في رعب رجال الشرطة، العسكريين، والمستوطنين، أن العمليات الفدائية شملت كافة أحياء العاصمة جميعها، وقد وصف الجنرال بول أوساريس "Paul Aussaresses"، الوضع في الجزائر العاصمة في ظل إقدام الثورة على النهوض بالعمل الفدائي بقوله : " لقد ساءت الوضعية بشكل معتبر وبخاصة في العاصمة. حيث قررت جبهة التحرير الوطني تطوير عملها، ففي 30سبتمبر انفجرت قنابل في ملك بار، والمقهى. حيث يقصدها شباب العاصمة. لقد كانت الحصيلة أربعة قتلى  واثنان وخمسون جريحا. وخلال شهر نوفمبر 1956، عمّ الرعب في العاصمة، حيث أنها باتت تشهد من ثلاث إلى أربع عمليات يوميا... ". 


 

عملية اشتباك في قصبة مدينة الجزائر

3- ارساء دعائم تنظيم جيش التحرير الوطني(1956-1962):

- المكونات البشرية لجيش التحرير الوطني:

    مع اشتداد قوة الثورة، بارتفاع عدد الملتحقين بها، واتساع نطاقها بشريا وجغرافيا، بدأ جيش التحرير التنظيم أكثر خلال الفترة الممتدة من 1954-1956. حيث أصبح يضم في صفوفه ثلاثة عناصر، تتشكل في مستويات، تتباين شكلا  في الترتيب  وطبيعة المهمة المسندة إلى كل واحد، وتتفق موضوعا، من حيث أنها تجتمع على هدف واحد، هو قتال قوات الاحتلال الفرنسي. وقد تمثلت تلك العناصر في الآتي : 

1- المجاهد: مصطلح ديني، ورد في القرآن كما في السنة النبوية الشريفة، في مواقع كثيرة. وقد أطلق  على كل جزائري التحق بمحض إرادته بصفوف الوحدات النظامية لجيش التحرير الوطني للمساهمة في تحرير التراب الوطني بواسطة السلاح. ويضم عدة عناصر، منها المشاركون في العمليات العسكرية منذ تفجير الثورة، كما يضم العناصر الفارة من صفوف جيش العدو الفرنسي أو الذين كُشف أمرهم باعتبارهم مسبلين أو فدائيين. ولعل ما يميز المجاهدين هو خضوعهم لتنظيم عسكري محكم قوامه القوانين الداخلية لجيش التحرير الوطني، فضلا عن زيّه العسكري. وليس له الحق في أن يتخلى عن هذه المسؤولية والانسلاخ من وحدات جيش التحرير، إلا للأعذار المحددة قانونا. و ذهب عبد المالك مرتاض، في ضبطه لمصطلح المجاهد في اصطلاح الثورة الجزائرية  إلى القول:"و لما اندلعت ثورة التحرير الجزائرية، أطلق لفظ المجاهد على كل رجل جزائري انضم إلى صفوف جيش التحرير الوطني، ليقاتل الفرنسيين المستعمرين و من والاهم، حتى بجلوا عن أرض الوطن كارهين. و كان الدافع إلى هذا الإطلاق، كما هو واضح، دينيا. أساسه التعلق بالإسلام ومبادئه التي منها، الجهاد. والمجاهد في مفهوم الثورة الجزائرية، يقف مفهومه على محاربة الاستعمار الفرنسي، جنسا و على أرض الجزائر، وطنا أو مكانا، و على الفترة الواقعة بين الفاتح نوفمبر والتاسع عشر مارس 1962زمانا. والداعي الذي دعا الوطنيين الجزائريين إلى هذا الإطلاق، كان دينيا بحتا، باعتبار أن المجاهد إذا خرّ صريعا في ساحة الوغى، اعتبر شهيدا. ولذلك لم يكن عناصر (ج. ت.و ) يغسلون الضحايا الذين يخرون في معارك الشرف موتى ".  

2-المسبل : ينسحب لفظ المسبل على كل شخص مدني يضطلع بالقيام بأعمال لفائدة الثورة. وهو عمل على جانب كبير من الأهمية و الخطورة، في الآن نفسه. لأن الأمر لا يتعلق بمهمة بعينها، وإنما يرتبط بكل عمل، بقطع النظر عن طبيعته، تحتاجه الثورة. ويمكن تحديد الأعمال التي أنيطت له في الآتي :

القيام بحراسة جيش التحرير، عند دخوله وخروجه من المشاتي. 

- القيام بعمليات تموين أفراد جيش التحرير. 

- القيام بتوزيع البريد الوارد و الصادر. 

- القيام بدور الكشاف أو الدليل أمام طلائع جيش التحرير. 

- الإشراف على جمع الإعانات النقدية والمواد التموينية وتخزينها. 

- القيام بمراقبة تحركات الخونة. 

- المشاركة في العمليات العسكرية، ما أهله أن يكون جنديا احتياطيا عند الضرورة. 

ويكون المسبل عونا للفدائي، من حيث أنه يسهل عليه مهمته، من خلال تغطيته واستطلاع الأخبار قبل وبعد العملية .

3- الفدائي : من حيث الترتيب الذي أقره مؤتمر الصومام بخصوص العناصر المشكلة لجيش التحرير الوطني، يأتي الفدائي في المرتبة الثالثة بعد المجاهد والمسبل. وهو مناضل ذو تكوين سياسي عال، وثوري منخرط في العملية التحريرية، له قدرات وإمكانات شخصية، تؤهله للاضطلاع  بمهمات صعبة. ولعل الصعوبة تكمن في أنه رجل ثوري، يتحرك وسط محيط احتلالي، مؤسسات و أفراد مدنيين أو عسكريين، ينتظر المناسبة السانحة بعد تلقيه الأمر، لتنفيذ العملية المكلف بها. سواء تعلق الأمر بإعدام خائن أو تهديم منشأة عسكرية. وهو بهذه الصفة يمثل جيش التحرير الوطني في المدينة أو الريف، عن طريق مجموعته التي تتحرك ضمن نطاق مرسوم ومجال معلوم. وعلى هذا الأساس، فهو يدعم وحدات جيش التحرير. 

وقد وجدت سلطات الاحتلال صعوبة كبيرة في التعامل مع الفدائيين، لتعذر ضبطهم أو تحديد هوياتهم، وفي الغالب يستعمل الفدائي المسدس" Révolver"  أثناء تأديته لمهامه وهو كذلك يتحرك في نطاق صعب لكثرة رجال الشرطة و المخبرين، فضلا عن عمليات التفتيش المفاجئة أحيانا، إلى جانب الحواجز الأمنية والعسكرية، ولذا فهو مطالب بالحذر  واليقظة ورصد جغرافية المكان التي ينشط فيها، على نحو يمكنه من استغلال كافة المعلومات الأمنية المتوفرة في الظرف المناسب، لإزالة المعوقات التي تعوق الثورة وبخاصة بعد صدور حكم بالإعدام من طرف الثورة على أي شخص، جزائريا خائنا كان كــ"علي شكال" مثلا، حيث استطاع الفدائي محمد بن صادوق أن ينفذ فيه حكم الثورة بالإعدام في باريس و هو خارج من الملعب،أو فرنسيا مدنيا متطرفا، يسوم الجزائريين سوء العذاب، ومثاله أميدي فروجي، الذي أُعدم وسط العاصمة، في عملية فدائية استعراضية، أظهرت قوة وقدرة الثورة على الوصول إلى أهدافها في الزمن و المكان المناسبين. 

التركيب الهيكلي لجيش التحرير الوطني :

تكيفا مع المعطيات الجغرافية لمناطق الثورة، في جانبها الطبيعي المتعدد و المتنوع، والتي شكلت خصوصية امتازت بها الثورة الجزائرية من حيث معرفتها بطبيعة مجال ومدار العمليات العسكرية، ما أكسبها تفوقا على قوات الاستعمار من جهة، واعتماد جيش التحرير على تكتيك حرب العصابات، الذي يرتكز على القوة، الخفة، الفعل و الاختفاء في أسرع وقت ممكن، لتجنب المواجهات الطويلة زمنا، ليس خوفا أو توليا من القتال، ولكن لعدم التكافؤ في العدد والعدّة، لأن بعض المواجهات تتطلب كميات كبيرة من الذخيرة ، عند امتدادها لفترة زمنية طويلة ما يجعل المجاهدين غير قادرين على مواصلة المواجهة إلى آخرها. 

ومن هذا المنطلق، يمكن فهم أبعاد التشكيلات التي ضمها جيش التحرير في البداية و التي تتحدد على النحو الآتي:

الزمرة: تضم خمسة مجاهدين، ويقودها جندي أول. 

- الفوج : يضم أحد عشر مجاهدا، يرأسه عريف ونائبان برتبة جندي أول. 

- الفصيلة أو الفرقة: تضم ثلاثة أفواج. ويتراوح عدد عناصرها ما بين 35و 45 مجاهدا. ويرأسها ستة مجاهدين برتبة جندي أول، وثلاثة برتبة عريف، وعلى رأس الفرقة عريف أول يساعده كاتب. 

- الكتيبة : تضم عدة فصائل، ويبلغ عدد جنودها من 105إلى 110جنديا. ويرأسها مساعد  ونائبان، عسكري وسياسي. 

- القسم : يتكون من عدة كتائب. 

- المنطقة: تتكون من عدة أقسام. 

وللإشارة، فإن الحرية الكاملة منحت للمناطق لاتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بتنظيم  وتطوير آليات التنظيم والهيكلة، انطلاقا من معطياتها الخاصة بها. وعلى هذا الأساس، نجد أن منطقة سوق أهراس، كانت الأولى التي عرفت تشكيل الفيالق، ويعود ظهور أول فيلق إلى 16 نوفمبر 1956 تحت قيادة شويشي العيساني . وقد ضم ثلاثة كتائب، الأولى تحت قيادة الملازم الشاذلي بن جديد، الثانية تحت قيادة الملازم يوسف بوبير. أما الثالثة فكانت تحت قيادة الملازم بلقاسم عمورة.

الرتب  العسكرية :

  1. الجندي الأوّل .( Caporal  )     
  2. العريف(Sergent  ) 
  3. العريف الأول (  Sergent Chef )
  4. المساعد ( Adjudant       )
  5. الملازم الأوّل (Aspirant  )
  6. الملازم الثاني (Aspirant  chef  )
  7. الضابط الأول   ( Lieutenant )
  8. الضابط الثاني (Capitaine)
  9. الصاغ الأول  (Commandant )

10- الصاغ الثاني.  (Colonel  ).

مظاهر  تطور جيش التحرير الوطني

ارتكز التطور المشهود الذي عرفه جيش التحرير الوطني، على معطيين رئيسين،هما :

1-التكوين الشامل:ونلحظ ذلك بشكل بارز، في تكوين مختصين في سلاح الإشارة،حيث بات التحكم في أجهزة الارسال والاستقبال، وكذا تفكيك الشيفرة، سمة بارزة، فضلا عن التنصت على رسائل وبرقيات وتقارير مختلف الوحدات العسكرية للإحتلال الفرنسي .  ( الإذاعة السرية لجيش التحرير الوطني)

وفي تطور لافت، شرعت قيادة الثورة الجزائرية في تكوين الطيارين العسكريين وكذا التقنيين،ابتداء من سنة  1957،في كل من سوريا، مصر،العراق، وكذا الصين، الاتحاد السوفييتي وتشيكوسلوفاكيا،وقد شمل التكوين الطائرات العسكرية وكذا الهليكوبتر. لم يقتصر التكوين فقط، على مجال محدود،بل شمل حتى فرقة كومندو للضفادع البشرية،نهاية سنة 1956بمصر،بغرض العمل على استهداف السفن الحربية الفرنسية .

وإدراكا من الثورة لخطورة خطي موريس وشال، على مستقبل النشاط العسكري الآخذ في التوسع والتطور،تم في مصر تكوين مجموعات على اجتياز  واختراق الخطوط المكهربة، ،فضلا عن إعداد مختصين في نزع وزرع الألغام و قطع الخطوط المكهربة في مراكز التكوين التابعة للثورة في المغرب.  

تطور الأداء العملياتي:

- توسيع نطاق العمليات العسكرية.

- إعتماد أسلوب العمليات العسكرية  الـمعممة Actions généralisées))،انطلاقا من الشمال إلى الجنوب، وفي وقت واحد.

- إستعمال البنقالور بشكل مكثف لتخريب خط موريس،ابتداء من سنة 1958

- إقتلاع الألغام وإعادة استعمالها في مختلف مسالك قوات الاحتلال الفرنسي.

- نقل العمليات العسكرية إلى أرض العدو.

- كثافة العمل الدعائي الثوري،وتداعياته على عمليات الفرار من جيش الاحتلال.

- اعتماد أسلوب المجموعات الصغيرة لمواجهة خطط الجنرال شال ( شهادات عسكريين يقدمها دحمان )

الهيآت القيادية لجيش التحرير الوطني:

* لجنة العمليات العسكرية الشرقية و الغربية في9 أفريل 1958،حيث كانت الأولى تحت قيادة العقيد محمدي السعيد ومقرها بمدينة الكاف بتونس،فيما كانت الثانية تحت قيادة العقيد هواري بومدين .

- لجنة وزارية للحرب.

- هيأة أركان الحرب العامة.

مراحل الثورة التحريرية " 1954 – 1962"

المرحلة الأولى) 1954- 1956):

   تعد مرحلة الانطلاق من أصعب مراحل الثورة التحريرية بسبب الصعوبة في إيذاع صوت الثورة والترويج لها لإقناع الشعب الجزائري و الرأي العام العالمي بفكرة الثورة وكيفية تأمين السلاح والمال، كما تعتبر القاعدة الصلبة للثورة بنجاحها تأتي مراحل أخرى وتسير الثورة نحو الهدف المنشود ، ولهذا ارتكز " العمل خلال هذه الفترة على تثبيت الوضع العسكري وتقويته ومد الثورة بالمتطوعين والسلاح،  والعمل على توسيع إطارها لتشمل كافة أنحاء البلاد، فاعتمد المجاهدين أسلوب حرب العصابات ونصب الكمائن وشن الغارات، نظم جيش التحرير الوطني التراب الجزائري إلى خمس مناطق:

- المنطقة الأولى: الأوراس النمامشة، وعلى رأسها مصطفى بن بولعيد.

- المنطقة الثانية: الشمال القسنطيني، وعلى راسها ديدوش مراد.

- المنطقة الثالثة: القبائل الكبرى والصغرى، وعلى رأسها كريم بلقاسم.

- المنطقة الرابعة: الجزائر العاصمة وعلى رأسها رابح بيطاط.

- المنطقة الخامسة: وهران وعلى رأسها محمد بوضياف.

وقد شهدت هذه الفترة التفجيرات الأولية للثورة من خلال عمليات أول نوفمبر 1954 و العديد من المعارك الهامة والكبيرة التي كان لها الصدى الأكبر في نشر الثورة كمعركة الجرف، وهجومات الشمال القسنطيني. 

المرحلة الثانية  (1956- 1958):

   بعد أحداث 20 أوت 1955 وما نتج عنه على الصعيدين الداخلي والخارجي عسكريا وسياسيا فتحت آفاق جديدة للثورة التحريرية، فقد اتسمت  الوضعية خاصة على المستوى العسكري بنقص كبير في التنسيق والعمل المشترك والاتصالات،  وعدم توفر قطع السلاح المطلوبة، أمام هذه الوضعية  ارتأت قيادة الثورة الإسراع بعقد مؤتمر لتقييم الفترة السابقة والتحضير للفترة اللاحقة،  فتم عقد مؤتمر الصومام بقرية "إفري" اوزلاقن "بواد الصومام بالمنطقة العسكرية الثالثة، من أهم ما جاء فيها التنظيم العسكري الجديد هيكلة الجيش فكونت  الكتيبة من 110 جنديا، والفرقة من 35 جنديا و الفوج من 11 جنديا، نصف الفوج 5 جنود، ولأول مرة أطلق إسم الولاية على المنطقة وأصبح كل قائد ولاية عقيدا، كما تم توحيد الزي والرتب والشارات العسكرية. 

   شهدت هذه المرحلة ارتفاع حدة الهجوم الفرنسي المضاد للثورة من أجل القضاء عليها، إلا أن هذه الأخيرة ازدادت اشتعالا وعنفا، فأقامت قيادة جيش التحرير مراكز جديدة ونشطت حركة الفدائيين في المدن فازدادت الخسائر في صفوف الجيش الفرنسي، كما تدعمت صفوف الثورة بالشباب المثقف.

وبعد أربع 4 سنوات من الحرب والإمتحان الصعب والطويل الذي عرفته مسيرة الثورة التحريرية، قررت لجنة التنسيق والتنفيذ ان تشكل أول حكومة مؤقتة في 19 سبتمبر1958 ، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت هذه الحكومة هي الممثل الشرعي والناطق الرسمي باسم الشعب والمسؤولة عن قيادة الثورة سياسيا وعسكريا،  وأعلنت في اول بيان لها عن موافقتها على إجراء مفاوضات مع الحكومة الفرنسية شرط الاعتراف المسبق بالشخصية الوطنية الجزائرية. 

صورة لفوج من قوات جيش التحرير الوطني

المرحلة الثالثة ( 1958- 1960):

     أصبحت المواجهة بين القوة الفرنسية وجبهة التحرير الوطني تستدعي صرامة وشجاعة كبيرتين، فقد انتهجت فرنسا في هذه المرحلة سياسة العصا والجزرة، فاستعمل المستعمر وسائل سياسة كالتسميم الدعائي، ومن هذا المنطلق عرض ديغول مشروعه (مشروع قسنطينة) سلم الشجعان: الذي لقي الرفض من طرف الثوار باعتباره استسلام وليس سلم والمتمثل في إصلاحات اقتصادية مستعجلة في محاولة لفصل الثورة عن الشعب .

    عند فشل المشروع  شنت قوات الاستعمار عمليات عسكرية على المعاقل الثورة، كعملية برومير في القبائل الكبرى، عملية التاج في الونشريس وعملية المنظار وغيرها من العمليات الإجرامية،  وفي هذه الفترة بلغ القمع البوليسي أشده في المدن والأرياف وفرضت على الأهالي معسكرات الاعتقال الجماعي في مختلف المناطق، أما رد جيش التحرير الجزائري فقد جاء عبر الدخول في معارك عنيفة ضد الجيش الفرنسي اعتمادا على خطة توزيع القوات على جميع المناطق من أجل إضعاف قوات العدو المهاجمة وتخفيف الضغط على بعض الجبهات بالإضافة إلى فتح معارك من أجل إنهاكه واستنزاف قواته  ولعل ابرز معارك هاته الفترة معركة عنابة  24 جوان 1959 ومعركة عين زانة 14 جوان 1959.

المرحلة الرابعة  المفاوضات والاستقلال (1960-1962):

     في جانفي 1960 أنشأت أول هيئة أركان لجيش التحرير الوطني الذي أصبح جيشا نظاميا ومتطورا في عدته وعتاده،  وتم تعيين العقيد محمد بن إبراهيم بوخروبة المعروف ثوريا وسياسيا بهواري بومدين كقائد لها، خلال هذه الفترة الهامة والحساسة من ثورة التحرير حاول الفرنسيون حسم القضية الجزائرية عسكريا من خلال شن حملات عسكرية ضخمة على مختلف المناطق الجزائرية لكنهم لم يفلحوا في ذلك، لأن جذور الثورة تعمقت وأصبحت موجودة في كل مكان وأضحى من الصعب بل من المستحيل القضاء عليها، رغم هذا الواقع، لم يسلم الجزائريون من النشاط الإرهابي لمنظمة الجيش الفرنسي فبعد توقيع اتفاق وقف اطلاق النار كثفت هذه الأخيرة من عملياتها الإجرامية على المدن والأحياء خاصة بالجزائر العاصمة.

    بعد سلسلة من المفاوضات في ايفيان الأولى والثانية،  جرى الاستفتاء في الجزائر في الأول من شهر جويلية 1962 حيث أجابت الأغلبية الساحقة بنعم لاستقلال الجزائر ، ليعلن على اعتبار 05 جويلية عيدا وطنيا لاسترجاع السيادة الوطنية والاستقلال.


صورة لفرحة الشعب من القرى الجزائرية بالاستقلال